ابداعاتقصص

وللجثث رأي آخر

رحمة خميس

يهرول مُسرعًا إلى مكتب الرئيس؛ للقاء الأسبوعي الذي ينتظره باهتمام بالغ، دخل المكتب لكنه وجد الرئيس يعمل حتى تلاشت فرحته قائلًا: آسف على الإزعاج سيدي، سآتي في وقتٍ آخر.

ابتسم الرئيس وأشار ليزن بأن يجلس قائلًا: اجلس يزن، لا أعمل، دعني أُعرّفك على دكتور سالم الشيخ، الطبيب الشرعي لنا.
محمد: هل أنت يزن المستجد؟
يزن: أهلا بك دكتور سالم، تشرفت بمقابلتك.

سليم: دكتور سالم لديه العديد والعديد من القصص مع القضايا الغامضة، عاصرنا حياة بأكملها وسط الجثث، لقد أتى خصيصًا لك اليوم.

انصدم يزن مما سمعه؛ فإنه لم يصدق بأن شخصًا مثل دكتور سالم الشيخ أتى له خصيصًا لكي يتحدثوا سويًا في قضايا مضت.

يزن: أشعر بالحماس الشديد، ما هي قضية اليوم؟
كان يمسك دكتور سالم بعض الأوراق وأعطاها ليزن وقال: اقرأ هذه القضية.
بدء يزن يقرأ في الأوراق بحماس:
سميرة جاسم البوريني
سورية الجنسية
جواز سفر رقم (L35422-30001)
رقم القضية (33112) لعام 2016 بمشرحة زينهم

جائت أخت الضحية لنا ومعها جثة أختها قائلة بأن شقيقتها انتحرت، وتريد أن يتم تغسليها وتكفينها بالمشفى فقط، طلبت منها تقرير التشريح من النيابة، لكن لم يوجد، اضطررت لأن أبقى على الجثة في ثلاجة المشرحة.

قمت بسؤال الأخت عن تفاصيل وفاة اختها، لكن الأخت ملامح وجهها كانت باردة للغاية والردود مقتضبة كثيرًا، أتذكر تلك المحادثة التي دارت بيننا
لقد كانت الفتاة جميلة للغاية، لكن شعرت بالاستغراب باجتماع الجمال ذاك مع البرود.

دارت المحادثة كالتالي:
سالم: ما الذي حدث لشقيقتك؟
الأخت: لقد انتحرت
سالم: لماذا تقولي أنها انتحرت؟
الاخت: لقد قالت لي ذلك.
سالم: حسنا أين تقرير التشريح؟
الأخت: لا أريد أن يتم تشريحها.
سالم: كيف جئتي بها إلى هنا بدون تقرير تشريح سوى تقرير مبدئي؟
الأخت: لا أريد التشريح، أريد تغسليها فقط، لا تتدخل كثيرا فيما لا يعنيك.
سالم: كيف جئتي بها إلى هنا؟
الأخت: بعربتي الخاصة
سالم: وأين هي عربتك؟ وكيف لا يوجد على ملابسك أي دماء؟
الأخت: لقد بدلت ملابسي قبل أن آتي بها إلى هنا
سالم: وعربتك؟
الأخت: في المغسلة الخاصة بالسيارات.

أخذت منها جواز السفر وسجلت البيانات وأخذت صورة منه، وأبقيت الاخت بالخارج لتشريح الجثة، شعرت بالاستغراب واضطررت لرؤية الجثة ومعاينتها قبل قرار التشريح.

التقرير المبدئي
فتاة في العقد الثالث من العمر، متوسطة القامة، الجثة في حالة تيبس مبدئي، الملابس عليها آثار دماء، وجود نمل كثير بالأذن والأنف.

شعر يزن بالاستغراب قليلًا وقام بسؤال سالم قائلًا: أين انتحرت هذه الفتاة؟ في المنزل؟
سالم: نعم
يزن: كيف انتحرت بالمنزل ويوجد بأذنها وأنفها نمل كثير، بمعرفتي البسيطة في علم التشريح أنَّ النمل يأتي من السقوط من الأماكن العالية أو الوفاة بالشارع، أو وجود غبار على ملابسها، لكنك قلت أن ملابسها عليها آثار دماء فقط، من أين جاء النمل؟

سليم: يبدو أن صغيري بدأ يكبر ويفهم ما يحدث حوله، أكمل يزن القراءة، وسوف تفهم بالنهاية.

أمسك يزن باقي الأوراق وأكمل القراءة:
يوجد جرح عميق بالعنق على شكل حرف S، وجرح باليد اليمنى أيضًا.

أمسك سالم منه باقي الأوراق حتى قال يزن: أريد تكملة القراءة ماذا حدث بعد ذلك؟ هل قمت بالتشريح؟
سالم بيأس: لا، لقد اختفت الجثة والأخت.
يزن: ماذا؟ اختفوا؟ كيف ذلك؟
سالم: بنفس اليوم في وقت متأخر من الليل اتصل بي عامل المشرحة وقال بذعر أن الجثة ليس لها وجود بالمشرحة، ذهبت للمشرحة ولا يوجد أي أثر لها، تذكرت أنه من الممكن أن تكون الفتاة أصرت على عامل الغُسل أن يتم تغسليها، حيث ذهبنا لغرفة الغُسل ولا يوجد سوى آثار دماء وماء، عندما سألت عن عامل الغرفة كان بغرفته نائم من قبل أن تأتي هذه الجثة، واختفت الاخت دون أثر.

يزن: أعتقد أنه أحد من عمال…
لم يكمل يزن جملته حتى قاطعه سالم بغضب: لا لم أشك بهم للحظة، لقد تعرضوا للكثير من الإغراءات والأموال طوال مسيرة عملهم، لكن بسابق معرفتي بهم لم يفعلوا ذلك أبدًا ولا يوجد مجال للشك بهم.

يزن: حسًنا، حسنًا لقد كان مجرد تخمين، هل بحثت عن الأخت في النيابة بموجب قرار التشريح؟
سليم: الغريب في الأمر يزن أن تقرير التشريح اختفى أيضًا مثل اختفاء الأخت وجثة شقيقتها، اختفى دون أثر.
سالم: لقد بحثت عنها في سجلات النيابة العامة لكن الغريب بالأمر بموجب رقم القضية لم تصل النيابة للرقم المذكور بالقرار وهذا ما كان غريب للغاية.

يزن بصدمة: كيف؟ لا أفهم؟!
سالم: رقم القضية كان 32112 وعندما بحثت مع المدعي بالنيابة قال أن القضايا لديهم لم تصل إلى العشرين ألف.
اختفت الاخت وجثة الشقيقة دون سبب.

قمت بالكشف على جواز السفر ولكن الصدمة أنه لا يوجد جواز سفر باسم سميرة البوريني وبموجب صورة جواز السفر
كان سليم بشكل لا يثير الشك لكن لا وجود له، ولا وجود لأحد قام بالدخول لمصر بهذا الاسم.

يزن: كيف جائت الأخت إلى المشفى بقرار تشريح من النيابة وهي لا تريد التشريح من البداية؟ وما هو سبب الجرح بحرف S على عنق الجثة؟
سالم: قرار التشريح يجب أن يؤتى به للجثث حتى لو لم يريد أهل الضحية التشريح، كافي فقط قرار مبدئي الذي أتت به هذه الفتاة لكي تدخل بجثة شقيقتها للمشفى حتى صدور القرار الرسمي.

وسر الجرح بحرف S لقد رأيت هذا الجرح في جثتين طوال حياتي، جثة لضحية سفاح بني مزار، وجثة بالولايات المتحدة الأمريكية لفتاة كانت عمر 18 عام، وعندما سألت عن السبب وجدت أن الرمز ينتمي للشيطان وعبدته.

يزن بتساؤل: من قام بتزوير جواز السفر بطريقة لا تثير الشكوك؟
من الذي قام بتغسيل الجثة وأخذها؟
من أين جاء النمل بأذن الجثة وانفها؟
من قام بجرح حرف S؟
هل انتهت القضية على ذلك؟

سالم: القضايا لا يجب أن تنتهي بمعرفة الفاعل أو القبض عليه، هناك قضايا كثيرة انتهت دون معرفة الحقيقة، يجب أن تتقبل ذلك أن تنتهي القضايا ويتم إغلاقها ضد مجهول، ما زال لدي هذه الأوراق المتبقية من القضية، وصورة من جواز السفر وصورة للجثة ستجدها في نهاية الورق.

يزن: أريد الاستماع إلى المزيد من القصص التي حدثت معك.
سالم: تعال إلى مكتبي من كل أسبوع وستعرف أن هناك عالم آخر بالمشرحة وبعملي، عالم خاص بالموتى الحياة فيه هي المعجزة الحقيقية.

يزن: هل تعتقد أن قوى خفية قامت بفعل ذلك، بما أنك قلت أنها من الممكن أن تكون من عبدة الشيطان؟
سليم: لا يجب أن يتم التسليم بالقضايا للجن والشياطين، ستدخل في دائرة التراهات ولا يتم التصديق بها، بعملنا لا يجب التصديق بأمور الخوارق التي نسمع عنها، عملنا يعتمد على الحقائق والأدلة الحسية الملموسة أمامنا فقط، يجب أن تنس هذا الأمر؛ لأنه لن يجدي بالنفع وسيقلل من قواك بالعمل.
النهاية.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed
error: Content is protected !!