مقالات

الملكة . . . التى لا يعرفها أحد ( ٢ )

✍️محمد علي الأخرس

خرجت كليوباترا عن المألوف، فكانت أول إمرأة تحكم مصر فى العصر البطلمى منفردة، استطاعت أن تفرض سيطرتها على العالم بارتباطها من يوليوس قيصر، سافرت معه إلى روما لتكون ملكة تحكم العالم من روما بجوار حبيبها.

عاد قيصر المنتصر إلى روما، و صدر قرار- مجلس الشيوخ- بتوليته ديكتاتورًا لروما .
كان قيصر يحلم بأن يصبح ملكًا لروما كما كان ملكًا فى مصر، و أن يكون له وريث ملكى، فيكون إلهًا بن إله ككليوباترا ابنة الآلهة فى مصر .

بدأ يوليوس قيصر يستبد بقراراته و تعامل مع مجلس الشيوخ و كأنهم موظفين لديه، و أقام تمثال له فى أحد المعابد كأنهُ الإله الأزلى . بدأ الشعب الرومانى يكره كليوباترا و يُكّن لها كل الحقد لما رأوه من إنقلاب حال يوليوس قيصر، فلم يكُن كذلك قبل مغادرته لروما و عودته بكليوباترا .

كان قيصر يمشى فى شوارع روما فى موكب و الشعب يهتف بحياته، فعرض عليه أنطونى ان يعتلى العرش ليُتوّج ملكًا لروما، لكنه رفض لأن الوقت لم يحِن بعد.

عام ٤٤ ق.م بدأت خيوط المؤامرة تُنسج حول يوليوس قيصر، تمّت دعوته لمبنى مجلس الشيوخ للإحتفال بتتويجه ملكًا لروما، كان الكل مهيأً و مستعدًا للتخلص منه ما عدا بروتس صاحب المبدأ و القيّم الأخلاقية، فرفض عملية الإغتيال بالإضافة إلى علاقته الخاصة بقيصر – حيث كان يعتقد الأخير – أنه ابنه، فقد كان يمارس علاقة مع أمه قبل مولده .
وافق بروتس على الإشتراك بالمؤامرة، لكن بعد الضغط عليه و إقناعه بأن هذا العمل من أجل روما العظمى

قُتل يوليوس قيصر فى مجلس الشيوخ و تفرق دمه بين أعضائه، و خرج الشيوخ فى جُنح الظلام هربًا من غضب روما عليهم ، إنتقل الحكم فى روما إلى يد مجلس رئاسى ثلاثى تشكل من: أنطونى قائد جيش روما الذى كان يرأسه قيصر ، أوكتافيوس ابن أخت يوليوس قيصر و الذى أوصى له بالحكم من بعده بالوصاية على قيصرون ابنه و أخيرًا لبيدوس قائد جيوش حامية روما، أراد الثلاثة تصفية خصومهم فى روما قبل التخطيط لمهاجمة أعداء روما فقتلوا جميع خصومهم داخل روما .

كانت العظيمة كليوباترا فى حالة يرثى لها فقد تحطمت أحلامها، تبخرت إلى عباب السماء كل أمانيها فى حكم إمبراطورية مترامية الأطراف بعد موت حبيبها، و صلتها توصية بمغادرة روما فى أقرب وقت ممكن خشية بطش أوكتافيوس بها، بالفعل غادرت روما عائدة إلى مصر بصحبة ابنها قيصرون .

بدأ الحكم الثلاثى فى روما باستعراض للقوة، بقى أوكتافيوس فى روما لتنظيم شئونها و حمايتها، سار لبيدوس على رأس قوة عسكرية متوجهًا للغرب لتأمين روما ضد خصومها فى أوروبا، إتجه أنطونى جنوبًا على رأس قوة عسكرية إلى أسيا الصغرى و فينقيا ثم مصر لتأمين روما من ناحيتى الشرق والبحر المتوسط .

ما إن وصل أنطونى إلى طرسوس شمال سورية حتى أرسل رسالة لكليوباترا بمصر يدعوها لمقابلته، ترددت كليوباترا كثيرًا فى تلبية دعوته وتأخرت فى الرد، وصلتها دعوة أخرى لمقابلة أنطونى فى طرسوس، وافقت كليوباترا على مضض، فهى تعلم أن أنطونى من ورثة قيصر، و إذا لم تُلبِ دعوته قد يأتى إليها محاربًا، و يأخذها كأسيرة حرب ؛

ذهبت إليه بالسفينة الملكية الفخمة، و ما إن وصلت إلى طرسوس حتى أرسلت إليه تدعوه لمقابلتها على متن السفينة الملكية، ظن أنطونى أنها سوف تأتى إليه راغمة و تقدم فروض الولاء و الطاعة ، لكنها تدعوه لمقابلتها بكبرياء ملكة، فقرر مقابلتها على متن السفينة ليلًا . أستقبلته كليوباترا على متن السفينة الملكية الأقرب إلى القصر بفخامتها، و أعدّت وليمة عشاء فاخرة له و صحبته من القادة و أعيان طرسوس،

كان ذلك اللقاء بين أنطونى و كليوباترا بمثابة الشرارة التى
أشعلت نيران العشق فى قلب أنطونى و كليوباترا التى أعدّت العدة لتكوين إمبراطورية مصرية تضاهى إمبراطورية روما، بدأت فى الإنفاق من موارد مصر على حروب أنطونى و حملاته الحربية فى الشرق حتى شجعته كليوباترا على الإتجاه عسكريًا إلى الغرب !

بدأت الأمور تسوء فيما بين أنطونى و اكتافيوس بعد علم الأخير بطموحات أنطونى فى غزو الغرب و تحالفه مع كليوباترا و مساندتها له بالمال و الفرق العسكرية المصرية و بالقواد السكندريين حاول البعض التدخل للصلح بين أنطونى و أكتافيوس و لكن كل المحاولات باءت بالفشل بسبب عناد أوكتافيوس و إصرار كليوباترا على الاستمرار التوجه للغرب مع شريكها إنطونى .

إستمرت كليوباترا فى دعم انطونى و الاحتفال بانتصاراته فى الأسكندرية لتصبح المدينة ندًا لروما و منافسة لها، و لم تكتفِ كليوباترا بذلك، بل تزوجت من أنطونى و هى تعلم أنه زوج أخت أكتافيوس ليصل التحدى إلى أقصى مداه .

كانت كليوباترا تؤسس لإمبراطورية مصرية عظمى تكون عاصمتها الأسكندرية و لا يهم أن يكون أنطونى ملكًا لها أو غيره لكن الأهم أن تكون هى الملكة .

لا أحد يعلم تحديدًا هل كانت كليوباترا تستغل العاطفة لأهداف سياسية؟ أم استغلت السياسة لأهداف عاطفية؟ و أيًا كان الهدف فإن كليوباترا قد سطرت اسمها بأحرف من نور فى تاريخ العالم القديم كأبرز ملكة حكمت فى العالم و كان تأثيرها بالغ الخطورة على الدول و الممالك فى التاريخ القديم .

إنهزمت كليوباترا و أنطونى من أوكتافيوس فى معركة أكتيوم البحرية عام ٣٢ ق.م و انتحر أنطونى بعد هزيمته فى المعركة، و تخلّت كليوباترا عن ثباتها و شجاعتها و مثابرتها فأنتهت حياتها بيديها باجتراع السُم أو بعضّة ثعبان فلا يهمنا سبب الوفاة، ما يهمنا أنها ماتت على القمة و فى أوّج عظمتها بالرغم من هزيمتها، لذلك كانت مادة للشعراء و الأدباء و المؤرخين فى مختلف العصور .

كتب إيمانويل كاتو المحامى و الخطيب الرومانى ” إن روما بكل عظمتها لم تخشِ إلا من إثنين : هانيبال فى قرطاج و كليوباترا فى مصر، و أما عن هانيبال فقد تم القضاء عليه بعدة حملات حربية، و بقيت كليوباترا تُرهب العالم أجمع .”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed
error: Content is protected !!