مقالات

الرصيد الضائع

بقلم/ سامح بسيوني

في ليلةٍ قمرية؛ النجوم تتلألأ في السماء كأنها مصباح درى يضيء لنا طريقًا مظلمًا. القمر يظهر على سطح جدول صغير؛ ضاحكًا، ومستبشرًا للحياة.

يا له من مشهد عظيم يبين لنا إبداع الله في خلقه! خرجت أنا، وأسرتي، وركبنا سيارتنا، متجاهين إلى بلدتنا، لقضاء إجازة قصيرة.

الأولاد على المقعد الخلفي، هاجر الكبرى، ومحمود الأوسط، والصغرى ملك، وهي تمتاز بكثرة الأسئلة، ولا ينقطع لسانها عن الكلام، وزوجتي بجانبي، وحديثها المعسول لا ينقطع.

السيارة تجتاز الطريق في حقول يكسوها الظلام، تنتظر فجرًا جديدًا؛ وفجأة ساد الصمت، الأولاد ذهبوا في نوم عميق، وزوجتي انشغلت بقراءة بريد الجمعة من هاتفها؛ وفجأة بلا أدنى مقدمات، نظرت إلى مؤشر الوقود، فكانت الطامة الكبرى بأنه أوشك على النفاذ؛ يالها من مصيبة كبيرة! ربما بعد كيلو من الجرامات ستتوقف السيارة؛ لنفاذ الوقود.

فأقرب محطة للوقود لا أعرف بالضبط أ قريبة؟ أم بعيدة؛ لأنه طريق دولي جديد، لم أكن أسافر عليه من قبل.

يا لها من كارثة! الطريق مخيف، السيارات في هذا الطريق قليلة للغاية، وحتى شبكة المحمول ضعيفة للغاية؛ ماذا أصنع في تلك الوارطة؟ أعترفُ بأنني مخطيء؛ لأنني لم أراجع المؤشر قبل الشروع في السفر؛ ولكن مرض ابنتي المستمر يشطط فكري، وينسني بعضًا من أمري، الأولاد في ثبات عميق، وزوجتي بدأت هي الأخرى تخلد للنوم، وتستسلم له، تركتها وشأنها؛ لتستريح من عناء يومها.

في هذه اللحظة الحاسمة، والقلق المستمر تركوني لوحدي؛ أعاني مرارة الموقف، وخشيت أن أشاركهم أمري، حتى لا يصيبهم الخوف، وشدة الخطب. الوقت يمر مرور الدهر، وكأن عقارب الساعة لاتتحرك، والمؤشر يشير لي بأن الوقود في نقص شديد؛ وما هي إلا لحظات، وستتوقف السيارة، وسنواجه مصير محتوم لا يعلمه إلا الله! اللهم لطفك بنا يا أرحم الراحمين!٠٠٠٠ حاولت أن أشغل هاتفي؛ لأعرف أقرب مكان لمحطة الوقود، من خلال برنامج لتحديد المواقع؛ ولكن بلا جدوى الشبكة ضعيفة للغاية.

وفي ظل قلقي، وتوترى نسيت كل مشاكلي، وأحزاني نسيت مرض ابنتي، وكان الغرض من السفر للنزهة من أجلها، نسيت ديوني، وكأن مشكلتي تنحصر في شيء واحدٍ ألا وهي الوقود. في تلك اللحظة، والسكون يحوم من حولي، والعيال، والزوجة تحسبهم أيقاظًا وهم رقود.

طاف بخيالي هذا المشهد الصعب التي تقترب فيه الشمس من الروؤس، ونحن واقفون عرايا، والكل منشغل بنفسه من شدة الموقف؛ أغلب البشر جاءوا من غير رصيد؛ أعمالهم هباء منثورًا، صحيفتهم بيضاء كبياض الثوب الأبيض من الدنس.

فها هو المغتاب، وقد نفذ رصيده، وهو في الدنيا لقد انتقل عمله إلى من اغتابه.

وها هو الظالم جاء، وقد خفت موازينه فهو بلا رصيد بل أصبح الآن يسأل الناس الحافًا عن حسنة تنفعه في هذا اليوم العصيب.

وهذا قاطع الرحم جاء مقطوعًا من رحمة الله، وجاء بلا رصيد ينفعه عند الله.

والآخر الطاغي، والحاكم المستبد جاء صفر الأيدي؛ يلتمسان العذر، ويريدان رصيدًا في يوم الجزاء لا العمل! وآخرون يبحثون عن رصيد، ويلتمسون الشفاعة دونى أدنى جدوى.

ياله من مشهد عصيب يحتاجُ إلى تأمل، وتدبر وتفكر! يفر عنك أقرب لأقربين كما تفر الغنم القاصية من الذئاب المتربصة! ( يَوْمَ يَفِرُّ اَلْمَرْءُ مِنْ أخِيهِ وَأُمِّهِ وَ أَبِيهِ وَ صَاحِبَتِهِ وَ بَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْن يُغْنِيهِ).

سرحت بخيالي، وأبنائي الآن معي في سيارتي لا يحسون بمعاناتي، وأنا أنظر إلى مؤشر، وقودي، وقد أوشك على النفاذ؛ فحتمًا عندما ينتقل الإنسان إلى العالم الآخر؛ فهو الذي يعيش تلك المرارة بنفسه لا يحس به أقرب الأقربين.

وفي تلك الأفكار السابحة؛ رأيت من مرآة سيارتي، سيارة أخرى تقترب من سيارتنا فقلت في نفسي لعله الفرج بعد العسر، وبدأت أقلب كشاف سيارتي من أجل أن يفهم بأنني في ورطة، وأحتاج إلى مساعدة لعل معه من الوقود الزائد عن حاجته، فيعطيني إياه.

يا له من حلم أراه بعيد المنال! مازلت أقلب كشاف سيارتي لعله يفهم غرضي، ويقف ليسأل عن أمري، ولكن عندما أقترب مني أدار سيارته بسرعه، وكأنه خاف على نفسه لربما يكون هناك خديعة في الأمر فيقع في مكروه؛ وأظن أن معه حق؛ لأن الطريق موحش، ومرعب.

يا له من حلم قد ضاع! والقلق يزداد بي سوءًا؛ والعيال، والزوج مازالوا في نوم عميق، وكأنهم تركوني أعيش مرارة الموقف بنفسي، ويزداد القلق كلما، وجدت المؤشر في نقصان مستمر.

إلهي ماذا أصنع أستغيث بك يارب في كربة لم أمر بها من قبل؟! زوجتي بدأت تستيقظ سألتني يا سامح كم يتبقى لنا من الوقت؟ حتى نصل قلت ليس هذ هو الأهم، فتعجبت من أمري، وقالت لي وما هو الأهم، قلت لها انظري إلى مؤشر الوقود، فتأملته بدقه فسقط قلبها خوفًا كما سقط قلب أم موسى، خوفًا علي ابنها من بطش فرعون، ودخلت معي في حوار فيه من اللوم، والعتاب؛ لأنني لم أستطلع المؤشر قبل المغادرة.

وفي أثناء لومها طار فكري، وخيالي إلى مشهد مخيف من مشاهد يوم التغابن، وأنا الآن قد جئت للعرض للحساب؛ وزوجتي، وعيالي يلومونني على أشياء كثيرة في الدنيا لم أقم بالنصح لهم فيها، فأقبلنا بعضنا نلوم بعض.

يا له من مشهد رهيب! وها هي زوجتي توقظني من غفلتي.

وتخيالاتي وتقول لي انظر يا سامح أشك بأنني ألمح من بعيد محطة للوقود، فقلت لها ربما فهذا الطريق أول مرة أسير به بسيارتي لأنه طريق دولي جديد.

المؤشر يتراجع إلى أقصى نقطة، الخيال من بعيد، وإضاءة خفيفة تأتي من بعيد؛ معلنة أمل جديد في محطة نأخذ منها وقودنا.

وها هي زوجتي تؤكد لي بأنها بالفعل محطة وقود، فهي تمتاز بحدة البصر، فقلت في غبطة، وفرح، وسرور الحمد لله، ودخلنا المحطة، ووجدنا بها حارسًا، وقد غلبه النوم.

ولم يحس بدخول السيارة فأيقظته بهدوءٍ، حتى يفزع منا، ويصيبه الخوف، فنظر إلينا فقلت له هل هناك بنزين في تلك المحطة فقال لي بالطبع، وكأن تلك الكلمة هي التي كنت أتمناها في الحياة، وقال لي انتظر بعضًا من الوقت حتى أوقظ لك العامل المسئول، وذهب لايقاظه، وهنا استيقظ الأبناء فمنهم من طلب شرابًا، والآخر يطلب طعامًا، ومنهم من أراد أن يقضي حاجته.

عندئذ طار الفؤاد، والفكر مرة أخرى إلى بعيد، إلى هناك، إلى مشهد القارعة، والحاقة، والواقعة، إلى يوم الحق، وتذكرت مشهدي عندما رأيت محطة الوقود كيف كان الفرح، والسرور؟! كيف تحولت من حزن، وهم إلي غبطة وسرور؟! فتذكرت هؤلاء السعداء أصحاب الرصيد الكافي، في يوم القيامة، وأصحاب قضاء الحوائج في الدنيا، فأولئك لهم الأمن.

تذكرت أصحاب العدل، والمساواة أصحاب الرحمة، المشفقون علي الفقراء، والمساكين أصحاب القلوب الرحمة، وأصحاب العفو، والفضل، أصحاب القلوب الطيبة السليمة أصحاب الصبر، والمساواة، تذكرت هؤلاء وهم الآن هم السعداء في آخرتهم.

كما سعدت أنا بمحطة الوقود، لكي ازود بها رصيدي من الوقود.

أيها الناس، أفيقوا من غفلتكم، وزودوا رصيدكم قبل الرحيل، زودوه بالطاعة، والإحسان، والرجاء، والآمال، زودوه بإطعام الطعام في وقت يتألم فيه الفقير من الجوع، والحرمان زودوا رصيدكم بقيام الليل، ولو بركعتين في جوف الليل، والناس نيام تدخلون الجنة سلام.

فهنيئا لمن فتش عن رصيده قبل الرحيل.

انتظر بعضًا من الوقت حتى أوقظ لك العامل المسئول، وذهب لايقاظه، وهنا استيقظ الأبناء فمنهم من طلب شرابًا، والآخر يطلب طعامًا، ومنهم من أراد أن يقضي حاجته.

عندئذ طار الفؤاد، والفكر مرة آخرى إلى بعيد، إلى هناك، إلى مشهد القارعة، والحاقة، والواقعة، إلى يوم الحق، وتذكرت مشهدي عندما رأيت محطة الوقود كيف كان الفرح، والسرور؟! كيف تحولت من حزن، وهم إلى غبطة وسرور؟! فتذكرت هؤلاء السعداء أصحاب الرصيد الكافي، في يوم القيامة، وأصحاب قضاء الحوائج في الدنيا، فأولئك لهم الأمن. تذكرت أصحاب العدل، والمساواة أصحاب الرحمة، المشفقون على الفقراء، والمساكين أصحاب القلوب الرحمة، وأصحاب العفو، والفضل، أصحاب القلوب الطيبة السليمة أصحاب الصبر، والمساواة، تذكرت هؤلاء وهم الآن هم السعداء في آخرتهم.

كما سعدت أنا بمحطة الوقود، لكي ازود بها رصيدي من الوقود.

أيها الناس، أفيقوا من غفلتكم، وزودوا رصيدكم قبل الرحيل، زودوه بالطاعة، والإحسان، والرجاء، والآمال، زودوه بإطعام الطعام في وقت يتألم فيه الفقير من الجوع، والحرمان زودوا رصيدكم بقيام الليل، ولو بركعتين في جوف الليل، والناس نيام تدخلون الجنة سلام.

فهنيئًا لمن فتش عن رصيده قبل الرحيل.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed
error: Content is protected !!