مقالات

أحمُس..البطل

بقلم: محمد علي الأخرس

فى وقت خارج الزمن . . . ساد فيه الظلام العالم و إندثرت معالم الحضارة و العلم وُلد هذا البطل الفذ الذى اقتفى أثر النور و أقتطع جزءًا من القمر ليضىء به العالم من جديد.

حوالى عام ١٨٠٠ ق.م تعتلى الأسرة الثانية عشر عرش مصر، لتكون خلفًا للأسرة الحادية عشر، ضعف ملوكها، فقدوا سيطرتهم على البلاد، فطغى حكام الأقاليم و استقلوا بأقاليمهم فى غياب حكومة مركزية قوية.

لم يعرف الشعب من يكون الملك و تاه عن الحاكم، سادت الفوضى وانتشر اللصوص و قُطاع الطرق، نُهبت مقابر الملوك، احتل النوبيين جنوب مصر، انتشر الجهل و الفقر و شاع المرض الفتاك الطاعون، ليحصد المئات بل الآلاف فى طريقه بلا رحمة أو هوادة.

ظهر ملوك الأسرة الثالثة عشر فى طيبة فسدوا الطريق على تقدم النوبيين شمالًا، فى نفس الوقت الذى سرت فيه الفوضى،
حدث تسلل و هجرات لعناصر آسيوية من الساميين شمالًا، هربًا من حروب الشمال الحيثيين مع الميتانيين، توغلوا فى شمال مصر حتى استقروا عند ممفيس، زاد عددهم فترة بعد فترة، قرروا تنصيب حاكم عليهم فكان حاكمهم الأول ( ساليتس ) الذى أسس حكومة مركزية قوية و جيش قوى عرمرم، مجهز بأحدث الأسلحة فى ذلك الوقت، كالنبال بعيدة المدى و الأقواس المركبة و الفئوس الخارقة و السيوف المنحنية و العجلات الحربية التى تجرها الخيول، التى لم يعرفها المصريون من قبل و يقال ان الكنعانيون كان لهم سابقة فى حكم مصر و أسسوا الاسرة الرابعة عشر بالتوازى مع الأسرة الثالثة عشر المصرية،

هنا نقف على أعتاب بعض ادعاءات المؤرخين الأجانب، الذين قرروا من انفسهم و بلا أدلة منطقية ان بنى إسرائيل هم من حكموا مصر فى تلك الفترة و أنهم نزحوا كمقاتلين لفتح مصر، و هذا الكلام عارِ تمامًا من الصحة، يخالف العقل و ما دلّت عليه الأبحاث التاريخية، و ما قيل عن سيطرت بنى إسرائيل على مصر ما هو إلا خزعبلات وهمية، أعلنوها كى تكون ذريعة لهم بأن أرض مصر تاريخيًا لهم.

لو فرضنا جدلًا أن بنى اسرائيل قد ظهروا فى ذلك الوقت فلن يحكموا مصر لأنهم لم يظهروا كمقاتلين، كانت أعدادهم قليلة جدًا مقارنةً ببقية شعوب الأرض فى ذلك الوقت كما لم يظهر اسمهم مطلقًا فى أى نص مصرى قديم، غير فى وقت متأخر على لوحة مرنبتاح بن رمسيس الثانى فى الأسرة التاسعة عشر، كما ان العناصر التى حكمت مصر تم طردهم منها بلا رجعة و القضاء عليهم و لم تقم مملكة لبنى إسرائيل سوى فى فلسطين، فى عهد أنبياء الله داود و سليمان عليهما السلام و كانت فترة حكمهم قليلة جدًا بالمقارنة بفترات حُكام آخرين.

نعود إلى الآسيويين الذين حكموا مصر فى عهد الإضمحلال الثانى حيث سيطروا على الشمال فى الدلتا و أخضعوا الجنوب أيضًا حتى طيبة فى عهد الأسرة الخامسة عشر
اطلق المصريون عليهم اسم ( حقا- خاسوت ) أى الحكام الأجانب الًذين أساءوا معاملة المصريين و أرهقوهم بالجزية بل و أحتقروا آلهتهم، كانت لهم معبوداتهم الخاصة مثل بعل و عناة
خرج جنوب مصر العليا من سيطرة ( حقا-خاسوت ) بطريقة سلمية حيث اعتبروا الأسرة السادسة عشر حكام إقطاعيين يؤدون ما عليهم من الجزية

( حقا-خاسوت) و اسمهم المتداول الهكسوس، نشروا حاميات عسكرية شمال البلاد كى يسيطروا عليها، كثفوا تلك الحاميات باتجاه الجنوب، خوفًا من تمردهم، لكن ما يخشوه قد حدث بالفعل ،حيث بدأ التذمر والضيق يظهران على المصريين من حكم الهكسوس البغيض، و بدأوا فى أعلان ذلك صراحةً فى كل مكان، لم يشغل الهكسوس بالهم أول الأمر بهذا الخصوص، بل ظلوا فى حكمهم للشمال و مد نفوذهم للجنوب كل فترة حتى اعتلت الأسرة السابعة عشر عرش الجنوب و ظهرت بوادر التخلص من الهكسوس فى الظهور على يد الملك سقنن رع الأول الذى اخذ على عاتقه جمع المصريين حوله و نبذ الخلافات جانبًا، و تجميع قوة حكام الأقاليم حوله، بهذا توحد الجنوب فعليًا و صار أقوى من ذى قبل، لكن القدر لم يمهل سقنن رع الأول فى تنفيذ مشروعه الكبير بالتخلص من الهكسوس،

تولى الحكم خلفًا لسقنن رع الأول ابنه سقنن رع الثانى الذى واصل مشروع ابيه للتخلص من الهكسوس فعمل على عاتقه تأسيس جيش وطنى حُر من المصريين كى يضرب به الهكسوس ضربة واحدة فى مقتل، تقضى عليهم بلا رجعة، لكن الهكسوس علّموا بما يفكر فيه سقنن رع الثانى، و ما يخطط له عن طريق جواسيس لهم فى الجنوب، افزعهم ما سمعوا عن نية سقنن رع من حربهم، فكان لابد من وقفة مع سقنن رع الثانى و ردعه عما يفكر فيه، فأرسلوا له قوة صغيرة لتقتحم الجنوب و تؤسس حامية فى طيبة، لكن سقنن رع تصدى لهم و أوقفهم عند حدود الجنوب الشمالية، هنا تأكد للهكسوس نية سقنن رع، إعتقدوا انه ينوى الأستقلال بالجنوب فكانت الخطوة الثانية و هى أرسال رسالة تهديد واضحة و صريحة له فأرسل ابو فيس ملك الهكسوس رسالة ألى سقنن رع الثانى فحواها: “”إن أصوات افراس النهر فى طيبة تزعجه و تقلق راحته.””
كانت الرسالة واضحة، و معناها أن التزم الصمت و لا تفعل ما تنوى على فعله، فكانت هذه الرسالة بمثابة الشرارة التى أشعلث جذوة الحرب ضد الهكسوس، فاستعد سقنن رع بجيشه و ترك حامية قوية خلفه فى طيبة، اتجه سقنن رع بقواته شمالًا يواجه الهكسوس فى عقر دارهم.

اشتد وطيس المعركة بين الهكسوس و المصريين، كانت فى البداية كر و فر بين المصريين و الهكسوس و كانت سجال بين الطرفين، حتى زاد الهكسوس من قوة اسلحتهم و اعدادهم و انقضوا على الجيش المصرى لتميل كفة المعركة لصالحهم و يصاب سقنن رع الثانى بسهم فى ظهره و يطعن ثلاث طعنات فى صدره ببلطّات الهكسوس ليسقط شهيدًا فى ارض المعركة و يتفرق الجيش المصرى بعد سقوط رايته، و ينسحب إلى الجنوب حاملًا معه جثمان البطل سقنن رع الذى افتدى بلده العظيم مصر بدمه و روحه بكل تضحية و بطولة . . .

يذكر المؤرخون الغربيون ان ما حدث من سقنن رع الثانى و المصريين فى مقاومة إحتلال الهكسوس، ما هو إلا ثورة شعبية مسلحة ضد الاحتلال الأجنبى، مُشبهين ذلك بما حدث من المصريين ضد الحكم الإنجليزى لمصر فى العصر الحديث من ثورات، مستدلين على أنه لم تكن لدى الشعوب القديمة مصطلحات مثل القومية و الوطنية و الاستعمار و التحرير، – إن كان كذلك- فإن الكلمات و المصطلحات لا تعنى شيئًا أمام الأحداث نفسها، فتفاصيل الأحداث تقودنا إلى أن هناك صراع بين قوتين إحداهما تدافع عن ما ترى انه حق لها ( المصريون )، و أخرى تحرص على عدم خسارة مكاسبها فى الأرض ( الهكسوس ) و إن كانت لا توجد مصطلحات فالمعنى يُفصح عن نفسه بنفسه، ( قوة وطنية تحارب المحتل ) هذا معناه ( القومية ) و لكن دائمًا ما نرى فى آراء المستعمرين و أتباعهم التقليل من قومية أصحاب الأرض و التحقير من شأنهم لبث روح العجز و اليأس إلى نفوسهم ، و الأدهى من ذلك ان يُفسر بعض المؤرخين حرب التحرير ليس على أنها ثورة بل فورة ( أى غليان السائل بعد تعرضه لحرارة شديدة ) اى انهم لا يتصورون حتى قيام ثورة منظمة ضد المحتل، و ان ما قام به المصريين مجرد رد فعل غير منظم من الضغوط التى وقعت عليهم من حُكامهم .

يستشهد سقنن رع الثانى فى ارض المعركة و يعود جثمانه إلى الجنوب وسط نحيب و بكاء قواده و جنوده على خسارتهم له، ترى زوجته الملكة إياح حتب جثمانه المُلطخ بدمائه الحرة فتٌدمع عينها، لكنها تتماسك و تصرخ فى القواد و الجنود: “” مات سقنن رع بجسده لكن روحه لم تمُت، كُتب لها الخلود و البقاء، روحه تسرى فى جسد كل فرد منكم، تصمم على النصر و طرد المحتل الأثيم “”. . . . . . . . . ( يتبع )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed
error: Content is protected !!