خواطر

نادل

شرود طويل في محتويات الشارع المزدحم في القاهرة، طائرات لوفود قادمين تشق السماء الرمادية من دخان السيارات والطاعم والمصانع، كيفما قلبت بصرك سترى كل أسباب الحياة، وكل شيء هنا له معنى، كأنما هذه المدينة بنيت لتكون مقالًا ومادة دسمة لعشاق الكتابة عن التاريخ والبشر
يقطع شرودي صوت الأغلبية الضائعة، التي اختارات التيه عن سلك دروب الصعاب للوصول لحلم ما، أقصد بهذا صوت فلان، أحد جيراني يسأل ساخرًا بعدما نفث دخان لفافة التبغ التي اختنقت بين أصبعيه في عكس اتجاه وجهي، إلا أن الريح كان لها رأي آخر، لتحملها وتصفعها في وجهي فأنتبه لسؤاله السطحي
ماذا ستفعل في هذه الفترة؟ وقد مضى عمرك بين الدراسة والكتابة ولا أظن أنك قد ثبت برهة في صنعة ما؟ قلت: قررت أن أعمل نادلًا..
لم يكن جوابًا بل كان ولادة خاطرة جديدة لمقال، أما عنه فلا أظن أن إجابته مفيدة، فأغلب أحاديث من يجلسون على المقاهي يشبه تمامًا خطب السياسيين في القمم والاجتماعات بعد الحروب والكوارث، فهو إن كان ذو معنى فهو بلى فائدة.

وأما عني، قاطعت قيلولة قلمي النائم بين صفحات المذكرة السوداء الصغيرة، ومن أول السطر بعد تاريخ يومنا هذا كتبت:
قررت أن أعمل نادلًا..
ومن يعرفني، يعلم أنني لا أحب كل ما هو عادي وبسيط ومكرر ومعروف، لذا قررت أن أعمل نادلًا أدبيًا أوزع الأحلام على الورق، كيف ما أشاء وليس كما يطلب الناس.
فمثلًا..
أعطي لكل أب مكافح قهوة حلوة عكس ما يحب أن يشربها كل صباحًا على عجل، وإجازة أبدية من مشاق الحياة وشهادة صبر ووسام شرف يعلقه على بدلته الزيتية القديمة التي لم يغيرها منذ أن بدأ الموسم الدراسي الأول في الثانوية، للدكتور فلان ابنه الأكبر.

وأعطي لكل أم فستان أو عباءة بيضاء مطرزة بالذهب، لتعيد فرحها فيكون في كل يوم، ونصيب من كل شيء كان في نفسها له منه خاطر ولكنها أثرت أولادها عليها، تمامًا ككل قطعة الحلوى تلك التي نعرف جميعًا أن أمنا تحبها، ولكنها تكذب الكذبة البيضاء المعهودة
لا أحب الحلوى، كلها أنت يا بني.

وأجمع الشباب والبنات الذين تخرجوا، وأوزع على كل واحد منهم مكتبًا ومفتاحًا من مفاتيح الوزارة، وأعطي الوزير علبة دخان متوسطة الثمن وكرسي خشبي في مقهى شعبية وسط البلد يجلس فيه يتأمل حاله ويراقب حال الناس بسبب وبدون سبب.

وأعطي لكل ظالمًا كفنًا، لعله يتذكر النهاية، ولكل مظلوم ساعة يتشفى فيها من عداه.

وأن أعطي لكل فقيرًا يعيش في العشوائيات، بدلة رسمية وسيارة فاخرة، تأخذه لقصره الذي في تلك المنطقة التي لا يعلم أصلًا أنها موجودة في بلاده، لأنها أصبحت حكرًا على أبناء الطبقة المخملية، وأسحب من كل فاسد صلاحياته وأحكم عليه بالنسيان، طبقًا لدستور الصبر والنهاية الذي كتبه أبناء جيل التسعين بصبرهم، وخطته حبات العرق على جبين البائعة المسنين في سوق الخضروات وعلى قوارع الطرق وأفواه السكك.

وقبل كل هذا، أعطي لكل فتاة كل فعل وشيء وكلمة تندرج تحت مسمى جبر الخواطر، تنفيذًا لمن أوصانا بهن وقال المؤنسات الغاليات، مع تاج من ذهب لكي لا تنسى أنها يومًا ما ستطبق عليها الوصية الثانية، لتحول من هي.. إلى هي ثم هي ثم هي ثم هي، عندما تصبح أمًا.

وعن الشباب، فمصحف صغير وبدلة عمل على أيسر صدره يكتب عليها، لكل مجتهد نصيب والصبر مفتاح الفرج.

وعن الوطن، فسأبكي عنه وعني قبل أن أعطيه شيء وأخذ من قبضة التاريخ وردة واعطيها له ثم أنحني وأعتذر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed
error: Content is protected !!