ابداعات

لحظات فارقة

✍️شيماء عبد المجيد

السلام عليكم ساداتنا الأكرمين، وقفت زاد في البقيع تحيي سكانها، كانت قد وصلت للمدينة؛ مدينة رسول الله قبل يومين، كانت الشمس فوقها تنتصف السماء بينما هي غارقة في التفكير لا تبالي لأشعة الشمس فوقها، انتبهت على صوت ميسر الرحلة يحدث الفوج الذي معه عن أهل البقيع، أخذ الشيخ مصطفى يذكر أسمائهم: حمزة بن عبد المطلب، سعد بن معاذ، الحسن بن علي ذاكرًا مناقب كل منهم، تحرك الفوج في السيارات الخاصة به في اتجاه جبل أحد، وقفت زاد تتأمل الجبل حيث ظهر شامخًا وكأنه يخبرنا بكل فخر بأن نبيًا قد وقف عليه، تشاهده في خشوع تريد احتضانه، التفتت على صوت رفيقتها تحدثها قائلة: في ماذا شرد ذهنك؟ لا أبدًا تذكرت تفاصيل معركة أحد، كيف لانتصار أن يتحول لهزيمة راح ضحيتها جمع كبير من الشهداء! وكيف يهتز اليقين في لحظات.
أجابتها وعد رفيقتها وهل تستهيني بتلك اللحظات
نعم هي لحظات ولكنها قادرة على تغيير مسار إنسان وقد يكون مسار أمة بأكملها، لحظات يُفرق بها بين حق وباطل، بين هوى نفس وحقيقة راسخة، لحظات يستجمع فيها الإنسان كل قواه وشجاعته ليسير في الاتجاه الصحيح.

تقاطعها زاد نعم صدقتِ لقد كان إسلام حمزة بن عبد المطلب إنما هو جراء موقف فقد قالها كلمة تعصبًا لابن أخيه وأخوه بالرضاع عندما سمع أن أبا جهل آذاه، فذهب إليه غاضبًا وسط قبيلته وعشيرته في المسجد الحرام وإذا به يضربه بقوسه ضربة شجت رأسه فسال دمه قائلًا: “أتسبه وأنا على دينه أقول ما يقول” فذهل الجميع ونزل عليهم الخبر كصاعقة أصمتهم وأعمت أبصارهم.
ليتحول حمزة بن عبد المطلب ويتغير مصيره من حمزة القرشي الذي يدين بدين قومه إلى أسد الله سيد الشهداء.

تحرك الفوج مرة ثانية؛ ولكن هذه المرة إلى مكان نزولهم للاستراحة، دخلت زاد مع وعد الغرفة ليأخذا قسطًا من الراحة بعد هذه الرحلة الروحانية الملهمة، استرخت زاد على سريرها ولازالت تفكر في اللحظات، تقول في نفسها لقد سرت في جسدي قشعريرة خوفًا من مصير قد يتحدد في لحظة أكون فيها غافلة فأذهب في غير مكاني بلا رجعة أم أنه قد يكون هناك رُجعى يا إلهي أغثني
وهل لليقين إذا اهتز من رجوع! تبادر وعد بالسؤال
هل لليقين إذا اهتز من رجوع، وما العمل في مصير
ذهب في اتجاه خاطيء؟
تجيبها وعد ألم تتذكري باقي أحداث أحد فقد أدركوا خطأهم مرة أخرى محاولين استعادة اتزان المعركة، ووجود النبي بينهم أعاد إليهم اليقين، والله قادر على إعادة اليقين لكل قلب رأى به الخير
فالله يريد قلوبنا.

بعد قسط من الراحة ذهبا إلى ثاني الحرمين مسجد رسول الله، أمام قبر رسول الله وقفت زاد في خشوع تام، تشعر بسكينة واطمئنان دخل قلبها
واضعة يدها على صدرها قائلة سلام الله عليك يا سيدي يا رسول الله سلام يعجز اللسان عن وصفه ومحبة تحتاج مئة قلب وقلب للتعبير عنه، سلام عليكم ساداتنا أبي بكر وعمر. تبكي زاد من ذلك الشعور الذي يتملكها ولا تستطيع وصفه بسكينة لم تنل مثلها قبل ذلك الوقت، إنها أيضًا لحظات توقف فيها الزمن تشعر كأنها انفصلت عن العالم أصبحت في قطعة من الجنة فالأرض غير الأرض والهواء غير الهواء كل شيء له جمال مختلف، تبكي لا تود الخروج ولكن الرحيل قد حان ولابد وأن ترحل.

ترجع مرة أخرى لغرفتها تحاول استعادة المشهد، محاولةً أن تستعيد المشاعر ولكن هيهات إنها خاصة بذلك المكان المقدس الذي به النبي خاص بتلك اللحظة فقط، أعادتها كلمة اللحظة لما كانت تفكر فيه قبل ذهابها للمسجد النبوي، تذكرت أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب (رضي الله عنهما)
وأنه كان لكل منهما لحظة فارقة في حياته صنعت مصيره بل مصير أمة بأسرها.
تحدثها وعد مابكِ فيم تفكرين؟
زاد: في اللحظات
لقد تذكرت أنه كان لابن الخطاب وابن الصديق (رضي الله عنهما) أيضًا لحظات، فقد كان إسلام عمر بن الخطاب تحول مفاجيء من شخص أشهر سيفه ذاهبًا لقتل النبي الجديد ظنًا منه أن دين آبائه هو الحق وفي طريقه يلقاه من يخبره بإسلام أخته وزوجها فيغير مساره إليها أولًا لقتلها ثم بعد ذلك يتجه لوجهته الأساسية، فإذا به عندما يدخل عليها ويحدث ما حدث بينهما ثم تهدأ ثورته ويقرأ ما معها من القرآن يتحول من غاضب ذاهب لقتل نبي أتى بدين جديد إلى مؤمن ذهب ليعلن إسلامه بين يدي النبي الذي كان يود قتله قبل سويعات ليتغير مصيره من عمر بن الخطاب المصارع القوي إلى الفاروق أقرب المقربين من النبي، من قال فيه لو كان نبي من بعدي لكان عمر.

تتحدث وعد: نعم نعم إنها إرادة الله لكل قلب نقي.
تكمل زاد أما لحظة أبي بكر فلقد رسخت مصير أمة بأسرها، فعند موت النبي (صلى الله عليه وسلم).
قد هام الصحابة على وجوههم لسماع الخبر، بل لقد قال عمر: من قال إن محمدًا قد مات شججت رأسه بسيفي إنما ذهب للقاء ربه كما ذهب موسى.
أما أبا بكر فقد وقف مخاطبًا الناس: من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ليتحول المكان إلى ساحة للبكاء.
إنها لحظة أفاقت الجميع.

ولكن تُرى هل لكل منا لحظات أيضًا قد تغير مصيره أم أنها للخواص فقط، وهل هي من صنع ذواتهم أم إنها تكون بإلهام من الله.

تجيبها وعد بالتأكيد لكثير منا لحظات فارقة في حياته، أما صنعها وفي أي اتجاه تسير فهي تتوقف على تاريخ طويل وتوجهات ومباديء للإنسان وقبل كل ذلك قلب نقي ينير الطريق أمامه، حتى وإن ارتبك المسير يستطيع تصحيحه، ويكلل كل ذلك إلهام من الله لكل قلب علم صلاحه.
تتمتم زاد قائلة: إنها لحظات ولكنها قد تصنع حياة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed
error: Content is protected !!