ابداعات

برطمان زيتون

✍️مايكل عاطف هتلر

في يوم من الأيام قرر أحد التجار السفر إلى بلاد بعيدة للتجارة، وأراد أن يترك بضع من القطع الذهبية عند أحد جيرانه؛ ولكن خوفًا من أن يطمع فيها الجار قرر أن يجد حلًا كي يعطيه إياها بطريقة خفية، وأخذ يفكر ما العمل؟

أخيرًا وجد فكرة عبقرية وهي أن يضعها في برطمان مليء بالزيتون ثم يعطيه لجاره علي سبيل الأمانة، على أن يسترده فور عودته من السفر
و على الفور أحضر البرطمان، وملأه بالزيتون بعد أن وضع فيه القطع الذهبية، وقام بزيارة الجار قبل سفره وسلمه إياه.

غاب التاجر لمدة طويلة، وكان الجار يحتفظ بالبرطمان كما اوصاه التاجر قبل سفره ليرده إياه فور عودته.
رجع التاجر بعد زمن طويل، وذهب عند جاره وسأله عن برطمان الزيتون، فقال له جاره “حمدا لله كثيرا على سلامة عودتك، ها برطمانك علي حاله من يوم أعطيتني إياه”، ثم رد له البرطمان وأخذه التاجر ورجع إلى بيته.

تفحص التاجر البرطمان فوجد الزيتون ولكن القطع الذهبية مختفية، فذهب لسؤال جاره عن القطع الذهبية التي كانت في البرطمان؛ فأنكر أنه يعرف بشأنها من الأساس، وأنه قام برد البرطمان كما تسلمه.

لم يصدقه التاجر وذهب إلي القاضي، وحكى له الأمر برمته، وأتهم جاره بأنه سرق القطع الذهبية التي تركها أمانة لديه.

سأله القاضي أن يحضر البرطمان، وأن يعطيه دليل عن القطع الذهبية، وأن ينتظر بعض من الوقت.

استدعى القاضي الجار وزوجته وسأله عن القطع الذهبية أجاب بأنه لا يعرف شيء عنها، وأنه قام برد البرطمان للتاجر كما تسلمه.

وتمسك جميع الأطراف بأقوالهم، وما زاد الأمر تعقيدًا أنه لا يوجد شهود أو أدلة أخرى غير برطمان الزيتون.
طلب القاضي أن يمنحاه ثلاثة أيام، وأخذ يبحث في الأمر لإصدار قرار عادل، حتى توصل إلى الحقيقة بحيلة ذكية.

في اليوم الثالث استدعى القاضي الجميع، وسألهم مرة أخرى عن مدة بقاء التاجر في البلاد البعيدة، وطلب من جميع الحاضرين تذوق الزيتون، وإبداء رأيهم بشأن طعمه.

اتفق جميع أطراف الدعوى أن التاجر سافر لمدة طويلة، وبعدما تذوق الجميع الزيتون كان رأيهم بأنه لذيذ وطازج.

فأجاب القاضي الجار “إذًا أنت لص، وسرقت القطع الذهبية؛ لأن التاجر وضع الزيتون في البرطمان منذ زمن بعيد؛ وهكذا يجب أن يكون طعمه يجب أن يكون لاذعًا وحامضًا لا طازجًا ولذيذًا؛ وهذا يعني أنك قمت بفتح البرطمان وأخذت ما فيه لنفسك؛ ولسذاجتك وضعت فيه زيتون طازج”.


أقر الجار بجريمته بأنه بتحريض زوجته بدافع الفضول قاما بفتح البرطمان، وما أن وجدوا القطع الذهبية حتي لهث لسانهم من الطمع فيها وأخذوها لنفسهم، واعتقدوا أن أمرهم لن ينكشف.

فحكم القاضي على الجار وزوجته بالسجن، ورد القطع الذهبية للتاجر، وهكذا تم تحقيق العدل بدهاء القاضي.

الكذب حباله قصيرة مهما بدت طويلة، والكاذب مهما اعتقد نفسه عبقري، ومهما أبدع ليغطي كذبه، سرعان ما ينفضح، ويجلب العار عليه.


حقًا صدق الأديب المبدع أكثم بن صيفي حينما قال في عبارته البديعة والمشهورة “الصدق منجاة، والكذب مهواة”.

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed
error: Content is protected !!