ابداعات

عجوز الحب

آية جمال

بعد يوم عملٍ شاق كنت جالسًا في القطارٍ كعادتي، أستعد للعودة إلى منزلي الذي يفصلني عنه بضع ساعات فقط.

كان القطار مليئًا بالناس كالعادة؛ فأسندت رأسي إلى الحديدة بجانبي وبدأت بمراقبتهم، وقراءة وجوههم، ومنها أستطيع تخمين ما يدور في عقولهم؛ فَـمنهم مَن كانت السعادة تغمر وجهه، ومنهم مَن كان الحزن سيد موقفه، ومنهم مَن كان متظاهرًا بالسعادة، لكن طابع الحزن يفوقها في الظهور.

مرت محطة تلو الأخرى، وأنا على نفس الوضع، لم يتغير بهِ شيء، سوى نزول أشخاص وصعود أشخاص أخرى؛ فَـمع كل محطة يصبح لدي أشخاص جديدة، ووجوه جديدة أتفحصها.

قبل وصول القطار للمحطة التالية، رغمًا عني أُغمضت عيناي لِـبعض الوقت، إلى أن استيقظت على صوت رجلٍ جالسٍ بجانبي، يتحدث في الهاتف؛ فَـاستمعت إلى حديثه، ومازلت مغمض العينين

كان يقول:
لا لم أنسَ، ولا أستطيع النسيان.

اِستمعي إليّ فقط.

لماذا؟

تاللهِ وددت مفاجئتك هذه المرة..

لا اِنتظري.

إنه بجواري والنوع، واللون، الذي تحبينه أيضًا.

كيف؟ لا يوجد أحدٌ معي تعلمين هذا.

لا أكذب عليكِ، ألستِ واثقة بي؟

إنه من المكان المفضل لديك، تستطيعين رؤية الطباعه عندما أعود.

حسنا يا حبيبتي رافقتك السلامة.

ثم أغلق الخط..

فتحت عيناي ونظرت إليه وجدته رجلُ كبيرُ في السن، دارت الأفكار في رأسي، وأُثير فضولي، مما جعلني اُبادر بحديثة.

أعتذر عن فضولي، لكن طريقة كلامك منذ قليل، كما لو كنت تكلم معشوقتك، وعندما رأيتك ووجدتك رجلٌ كبير، أثرت فضولي وودت محادثتك.

أجابني بوجههٍ البشوش الذي يكسوه إبتسامة طفيفة
صحيح يا بُني، كنت أتحدث مع معشوقتي ألا وهي زوجتي، اليوم عيد زواجنا، وخرجت دون معايدتها في الصباح، وفضلت مفاجئتها بهذه الورود التي تحبها عندما أعود، لكنها اِعتقدت أنني نسيت، وعندما كنت أحدثها منذ قليل كانت تتكلم بطريقة مزرية؛ فسايرتها في الكلام حتي أباحت بما داخلها، وعلمت أن هذا ما يحزنها، فَـاضطررت لإخبارها.

نظرت له لبرهة وأنا أبتسم من جهة، ويعتريني الاندهاش من جهة أخرى
ثم سألته
أتحبها كل هذا الحب؟

أجابني
لماذا لا أحبها؟
فهي السبب في كل ما يحدث وسيحدث لي فيما بعد، هي الخير المهاب لي من الله، هي نعم الام والاخت والصديقة والزوجة، هي كل شيء في الحياة.
ثم أنهي حديثه معي بـ:
هذه هي محطتي فيجب عليّ النزول، لكن يمكنني إخبارك بشيء، عندما تجد من تحب، لن تبحث عن أي شيء سوى اِسعادها فقط؛ فأحسن اختيارها.

ثم تركني وذهب، جلست مندهشًا شاردٌ ذهني
هل يوجد ما يسمى بالحب الدائم؟
هل سأكون سعيد في حياتي مع من سيختارها قلبي مثلما قال؟

اِستيقظت على صوت القطار وهو ينادي بِـمحطتي، فهممت للنزول؛ فعندها دفعتني بنت لِـتنزل هي الأخرى، وعندما رأيتها، وجدتني أذهب خلفها، وقلبي يدق بسرعه، وأبتسم ببلاهة، لا أعلم لماذا لكنني كنت سعيد.

سيرتُ خلفها إلى أن وصلت لمنزلها، وعلمت أين يقع، ثم عدت إلى منزلي أنا الآخر.
طوال هذه المدة لم تفارق ذاكرتي ولو للحظة، ظلت قابعة في ذاكرتي.

بعد شهر
كنت عائد من عملي، حتي وجدتني أذهب إلى منزلها وأدق الباب
،ففُتح لي

نظرتُ بصدمة
أهذا منزلك يا حاج؟

نظر لي بابتسامة وأشار بالدخول
ثم قال: أخبرني ماذا أتى بك إلى هنا؟

نظرت له بنفس الإبتسامة
أظنني وجدت الحب الذي كنت تحدثني عنه.
إنه في منزلك الآن؛ فجئت لأخذه.

“سقاني الغرام سقيًا، جعلني أدرك للحب سبيلًا”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed
error: Content is protected !!