ابداعات

الكاتب جندي لا يهزم

✍️ عبد الله الحداوي

قطعت شوطًا كبيرًا في رحلة تعلم الكتابة والأدب، ولم أتطرق للكتب المترجمة، ربما لضعف لغتي أو لأنني أحب قراءة الكتب بلغتها الأصلية، ويؤلمني أنني لا أقرأ شهنامة الفردوسي وديوان عماد الدين النسيمي بلغتهما الأصلية الفارسية والتركية، بينما يستطيع الكاتب الفرنسي قراءة كتاب جاره الألماني بكل بساطة.

بت أرى أننا منفصلون عن امتدادنا الثقافي العربي منذ وقعنا في فخ التقسيم، ووضع على أعين فكرنا ذاك الشيء الذي يوضع على أعين البغال، فتجعلها لا ترى إلا في اتجاه واحد، مما أذكر أنني قرأته في كتب التاريخ، أنَّ أغلب الشعراء والخطباء والكتاب في البلاط المغولي في الهند، أو الصفوي في فارس، أو العثماني في تركيا، كانوا يعرفون العربية ولا يعتبرون مثقفين إن لم يعرفوها، أما اليوم فما أراه من حالنا مجازيًا وفعليًا؛ فنحن لم نعد هنا ولا هناك
فلا نحن نتحرك بحرية بين من يعرفون أشعارنا وتاريخنا ومعمارنا، ولا نستطيع الوصول إلى الذين يزعمون أننا لا ننجوا من التخلف حتى نتعلم منهم، حتى وإن كانوا قد قالوا في ألف ألف خطبة لنا، أنهم لا يحبونا ولا يريدون رؤيتنا بينهم.

فلم يعد لأغلبنا توجه إلى أن يبقى حيث هو، وتحولت الشعوب العربية إلى نسور حبيسة في أقفاص، معزولين عن شرقيتهم وعزتها، ممنوعين من الغرب ورفاهيته المزعومة، مهددين في منازلهم بالضياع مع تطور العلم ومرور الزمن
ومع ذلك، لا زال البعض منا يتمسك بحقيقته وبكونه هو، يحاول العيش بين تطور الثقافات التي تزحف إلينا وتمحونا شيء فشيء
ونحن كشرقيين عرب قد عُرف أننا لا نستطيع العيش دون أن نرى في حياتنا مواطن الجمال، والكتابة عندنا محاولة للبحث عن الجمال في العالم، فإذا لم نجد اخترعنا الجمال اختراعًا، وهمًا نتخيله بشدة حتى يصبح الخيال واقعًا ملموس وحقيقة تلمع، أو مقالة تقرأ كما أفعل الآن ..

وقد قلت في مقالي السابق، أن الإنسان إذا ما كتب مقال أو رسم لوحة، فإنه يجعل العالم أجمل بمقدار مقال وألطف بمقدار لوحة؛ فهذا خيالنا وكلماتنا تحول إلى حقيقة تقاوم قبح العالم
فكما رُسم لنا خطوط وهمية على ورق الخرائط ضاعت بسببها حضارتنا، يتخيل الكتاب عوالم وهمية بديلة قد تساند الناس يومًا ما للعودة إلى عزتهم وتاريخهم الذي يضيع.

نعم .. كتابة مقال أو رواية هو تغيير بسيط لا يكاد يذكر، لكنه تراكمي خالد لا رجوع فيه، ولذا يجب أن نكون قادرين على الكتابة والإبداع بالرغم من الحواجز المفروضة على أرواحنا وواقعنا، قد تبدو المقالات التي أكتبها اليوم متواضعة وبسيطة لكنها ستعلو يومًا ما على خراب الواقع وتمحوه مثل ما ينبت العشب على أنقاض الصخور ثم يكبر ليغطيها حتى تختفي.

ولنقترب نحن معشر الكتاب من بعضنا شرقًا وغربًا، وليعرف جيراننا عنا ومنا ولنعرف عنهم ومنهم، فيا سادتي إنَّ الهم واحد، عسى أن تخرج النسور أخيرًا من أقفاصها بعد قراءة كلماتنا، فإن خرجت فوالله لا يقدر على ردها إذا شائت أن تبسط حضارتها ثانيًا، لا حدود ولا بحار ولا قارات

في النهاية، لا تستهن بالكتابة، ولا بالجمال كيف ما أتاك، ولا تغرنك وداعة الكاتب في أول مسيرته، فإن في قلمه رعد وبرق، إذا ما كتب عبر الحدود وذابت أسوار الحديد من حرارة عينيه؛ فالكاتب جندي لا يهزم، يستطيع القتال في أي وقت وتحت أي ظرف وبقلم وورقة، قد يحرك أمم أو يمحها
وكل مرتقب آت، والسلام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed
error: Content is protected !!