ابداعات

قابعةٌ في ذاكرتي

أية جمال

كنت جالسًا في غرفتي كعادتي، إلى أن رأيتها جالسة أمامي تحدثني وهي تنظر لي:
محمد أريد أن آكل المثلجات.

أجبتها سريعًا بالموافقة، ثم هممت للذهاب وفتحت باب غرفتي لأجد أمي أمامي.

تحَدثني:
إلى أين تذهب في هذه الساعة يا محمد؟

أجبتها:
ذاهبٌ لإحضار المثلجات لسارة يا أمي.

أجابتني بذهول:
سارة!
لكن أين هي؟

أجبتها:
كانت جالسة في الغرفة بجواري منذ دقائق، وطلبت مني أن أحضرها لأنها تشتهيها، لكنكِ تؤخرينني الآن.

أجابتني في حزن:
سارة لم يعد لها وجود يا محمد، إنها في مكان أفضل من هنا بكثير، كل ما تريده منك الآن هو الدعاء فقط.

نظرت لها بعيون لامعة، وأنا أعود للواقع مرة أخرى أتذكر ما سبق حدوثه:
لماذا؟ لماذا يا أمي؟
اِتركيني أنعم ببعض من السعادة، أتخيل وجودها بجانبي كما كنا قبل، أخرج من ألفتي المعتادة لبعض الوقت.

أخذتني في حضنها تُربِّتُ على ظهري وتواسيني، تارة بالكلمات، وأخرى بحنانها.
اِبتعدت عنها بعد مدة قصيرة.

سألتني عن حالتي؟
فأجبتها أنني بخير، وطمئنتها بألا تقلق، ثم عدت إلى غرفتي مرة أخرى، أتخيل وجودها في كل جزاء منها.

تارة أنظر إلى المرآة أراها واقفة تستعد، ثم تستدير تنظر لي مبتسمة وتقول:
ما رأيك في هذا الفستان يا محمد؟

أجبتها بِابتسامة متبادلة: جميل
أي شيء ترتديه فهو جميل، ليس لأنه جميل، بل لأنكِ أنتِ من ترتديه

اِبتسمت لي ثم اختفت

ظللت أبحث عنها في الغرفة كالمجنون وأنادي باسمها
سارة!
سارة!
أين ذهبتي؟

محمد أنا هنا

التفتُ رأيتها تقف أمام الدولاب
سارة أين ذهبتي؟

أجابتني:
أين ذهبت؟
لم أذهب إلى أي مكان، مثلما تركتني منذ قليل واقفة أطوي الملابس.

هرولت إليها أحتضنها وأنا أبكي، سارة لا تتركيني، لا تبتعدي عني مرة أخرى، أنا أحبك يا سارة.
ثم فتحت عيني، لم أجد أحد أمامي، الغرفة فارغة، أحتضن الهواء.

لحظات من الصمت سادت لبعض الوقت، ثم عدت إلى واقعي الأليم الذي لن يتغير به شيء، جففت عيني من الدموع، وذهبت إليها، ذهبت لِأصلي وأدعي لها؛ فَهذه هي الطريقة الوحيدة التي أستطيع التواصل بها معها.

توالت الأيام وبدأت في الخروج إلى العالم الخارجي
بدأت في العودة إلى عملي، حياتي السابقة، نعم لم أعد مثلما كنت من قبل لكني كنت اُجاهد.

كنت دائمًا في نهاية كل أسبوع أذهب لرؤيتها، أحكّ لها ما حدث طوال الأيام الماضية، السعيد، والحزين، وإذ وجد ما ضايقني، أخبرها به، وأنهي حديثي بِـهل يجوز؟
هل أنا السبب؟

وأتذكر في الماضي عندما كنت أحكّ لها عن ما يزعجني تظل تبتسم على طريقتي، فأبتسم من تلقاء نفسي.

بالطبع كأي أم مصرية مثل كل الأمهات، لم تمل أمي من عرض الزواج عليّ مرة تلو الأخرى، ومن أقتراح الكثير والكثير من الفتيات.

كان مبررها المعتاد أنها تريد رؤية حفيدها قبل وفاتها، لكني كنت متمسكًا بقراري؛ أن أحافظ على لِـسارة إلى أن أذهب إليها.

ها أنا الأن أخبركم بقصتي بعد مرور عشرون عامًا عليها، كأن كل شيء بها حدث أمس.

أعلم ما يدور في تفكيركم الآن، نعم حافظت على حبي، ولم أتزوج حتي اليوم، لكن الشيء المختلف؛ هو أنني تبنيت ابنًا جميلًا يدعى عُدي وهو الذي يرعاني الآن، حتى تأتي لحظتي المناسبة التي سأذهب فيها لرؤية أحب الأشخاص لقلبي، وأحنهم عليه.

“والصادقون في الحب لا يملون، رحم الله شخصًا سكن الفؤاد، ولم يتبقى منه سِوى ذكراه”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed
error: Content is protected !!