ابداعات

“السادسة بتوقيت طفلتي”

✍️أسماء الدسوقي

ها قد أتت ليالِ الشتاء ولكن لا داعي لإحضار معطفك فكلمات اليوم دافئة.

“السادسة بتوقيت طفلتي”هكذا قالها لي.
بينما كنت أسير في شوارع المدينه والأمطار تدق الطرقات معلنة عن ليلة شتوية.
الجميع يُسرع للبيت وانا أستقبل الليلة لا أبالي بمدي البروده كل ما يشغل بالي هو عزف القطرات وتناغمها مع دقات قلبي وصوت الأشجار ليقطع خيالي صوت ضحكات متعالية، حقيقةً لوهلة ظننتُ أنني انسجمت بخيالي فسمعتها، كنتُ أظن أنني بمفردي في الطرقات، فالجميع ذهب ليختبئ من المطر، ولكن مع تعالي الأصوات دققت قليلًا لأجد هذا المشهد الدافئ رغم البرودة.
عجوزٌ يسير بزوجته يحملها علي كرسيِّ متحرك يُسرع تارةً ويُبطئ تارةً أُخرى لا يبالي بالسن والبرد.
كان المشهد دافئ جدًا لقلبي، يعتريني ذهول وفضول وحب لا أُصدق ما أراه.

لا اُخفيكم سرًا تتبعتهم وكلي سعادة بما أري ولكن حدث مشهد غريب..
وجدته.. يسير بها حتي وصل لمستشفي وصار يودعها وهما يكرران السادسة بتوقيت طفلتي.

ودعها وذهب وهو يبكي فلم اتحكم بفضولي لأجد نفسي أسير خلفه فالتفت اليّ.
أعتذر منك ولكن ما هذا، حقيقةً تتبعتك منذ اللحظه التي تعالت ضحكاتك وزوجتك، كنت سعيدة بما أري حتى رأيتُ هذا المشهد،
هل لك أن تخبرني بما يحدث وماذا تعني جملة السادسة بتوقيت طفلتي؟

حسنًا سأخبرك، هي طفلتي المدللة منذ الجامعة ونحن معًا أحببتها سرًا كنتُ أراها يوميًا دون أن تتلاقي نظرتنا، دون الحديث، فقط أريد رؤيتها، كم كانت جميلة وساحرة طفلتي.
حتي بيومٍ لاحظت ذلك وأخبرتها وتزوجنا في سن الخامسة والعشرين.
كانت معي دائمًا تخطينا كل اللحظات بحلوها ومُرها، حتى أن المُر يحلو بها.
كان الجميع يُقسِم بحبنا ومازال الحب يزيد حتى يومي هذا.
صرنا بعمر الثمانين ولم يتلف حُبنا، ولكن ماذا حدث؟ أُصيبت طفلتي بالزهايمر، لم تعد تتذكر شيئًا.
حتي أتت لهنا ولكني لم أستطع البعد عنها، قرابة الستين عام ونحن معًا كيف لي أن أنام بدونها.

لقد كانت تحب المطر ونخرج كل يوم في السادسة صباحًا والسادسة ليلًا لذا أقول دائما السادسة بتوقيت طفلتي.

ولعلك تسألين كيف أخرج معها وهي لا تتذكر شيء
نستطيع النسيان ولكن ما بالروح والقلب لا يُنسى، لا يُنسى أبدًا، لقد تعلقت أرواحنا هي لا تتذكر اسمي ربما بعض الليالي ولكنها تفرح عند رؤيتي.

أخبرني الأطباء أن حالتها تتحسن بوجودي رغم أنها لا تتذكر من أنا ولكن تلمع عينها عند رؤيتي تلك العينان سرقتني منذ النظرة الأولى.

واليوم أتيت لهنا في السادسة مساءً لأخرج مع طفلتي فس شوارع المدينه بين المطر، وأنا سعيد جدًا لأنني سأعود غدًا وأجلس معاها دائمًا أو تذهب معي لبيتنا، حتى النسيان والمرض لم يستطع أن يفرقنا يظل لقاء الروح بالروح وحب القلوب صادقًا لا المسافات ولا النسيان ولا حتي السن قادر علي هدمِه.
احببتها سرًا وكانت جملتي دائما،” كم من بعيد عن العين وهو للقبِ مؤنسٌ وكم من قريبٍ والعين لا تراهُ”
والآن اخبريني عرفتي ماذا تعني السادسة بتوقيت طفلتي؟
ضحكنا سويًا ورجعت للبيت، كانت من أجمل ليالي الشتاء التي مرت بحياتي، هكذا يكون الحب.. نعيش سويًّا ونشيب سويًّا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed
error: Content is protected !!