ابداعاتقصص

أسعدني رغم أنه أعمى

✍️ الشيماء أحمد عبد اللاه

كان في إحدى المستشفيات في مدينة الإسكندرية، مريضان متقدمان في السن، يتشاركان غرفة واحدة، وكلاهما مُصاب بمرض مزمن، أحدهما كان مسموحًا له بالجلوس في سريره لمدة ساعة يوميًا فقط، ولحسن حظه فقد كان سريره بجانب النافذة الوحيدة في الغرفة،
أما الآخر فكان عليه أن يبقى مستقليًا على ظهره طوال الوقت.

كان المريضان يقضيان وقتهما في الكلام، دون أن يرى أحدهما الآخر؛ لأن كل منهما كان مستلقيًا على ظهره، وناظرًا إلى السقف.

تحدثا عن أهليهما، وعن بيتهما، وحياتهما، وعن كل شيء،
وفي كل يوم بعد العصر، كان الأول يجلس في سريره حسب أوامر الطبيب، وينظر من النافذة، ويصف لصاحبه العالم الخارجي، وكان الآخر ينتظر هذه الساعة كما ينتظرها الأول؛ لأنها تجعل حياته مليئة بالحيوية، وهو يسمع لوصف صاحبه للحياة في الخارج كيف تبدو.

فحكى له أن هناك حديقة، بها بحيرة كبيرة يسبح فيها البط، والأولاد صنعوا زوارق من مواد مختلفة وأخذوا يلعبون فيها داخل الماء، وهناك رجل يؤجر المراكب الصغيرة للناس، يبحرون بها في البحيرة، والجميع يتمشى حول البحيرة بفرح وبهجة.

وهناك آخرون جلسوا في ظلال الأشجار، وبجانب الزهور ذات الألوان الجذابة، ومنظر السماء بديعًا يسر الناظرين.

وفيما يقوم الأول بعملية الوصف هذه، ينصت الآخر في ذهول لهذا الوصف الدقيق الرائع، ثم يغمض عينه ويبدأ في تصور ذلك المنظر البديع للحياة خارج المستشفى،
وفي أحد الأيام وصف الأوا عرضًا عسكريًا، ورغم أنه لم يسمع عزف الموسيقى، إلا أنه كان يراها بعيني عقله، من خلال وصف صاحبه لها.

ومرت الأيام، والأسابيع وكل منهما سعيد بصاحبه، وفي أحد الأيام جاءت الممرضة صباحًا، لخدمتهما كعادتها، فوجدت المريض الذي بجانب النافذة قد مات خلال الليل، ولم يعلم صديقه بوفاته، إلا من خلال حديث الممرضة عبر الهاتف، وهي تطلب المساعدة لإخراجه من هنا.

حزن على صاحبه أشد الحزن، وعندما وجد الفرصة مناسبة، طلب من الممرضة أن تنقل سريره إلى جانب النافذة، فأجابت له طلبه بكل ود، ولما حانت ساعة بعد العصر، وتذكر حديث صديقه الشيق الذي كان يتحفه به صاحبه، بكى بكاء شديد لفقده.

لكنه قرر أن يحاول الجلوس؛ ليعوض مافاته في هذه الساعة، وتحامل على نفسه وهو يتألم، ورفع راسه مستعينًا بذراعه، ثم اتكأ على إحدى يديه، وأدار وجهه ببطء نحو النافذة، لينظر العالم الخارجي له لأول مرة، وهنا كانت المفاجاة !

لم ير أمامه إلا جدارًا أصمّ من جدران المستشفى، فقد كانت النافذة على ساحة داخلية، وليست هذه هي المفاجاة الكبرى!

نادى الممرضة، وسألها إن كانت هذه هي النافذة التي كان صاحبه ينظر من خلالها؟

فاجابته إنها هي، فالغرفة ليس فيها سوى هذه النافذة، ثم سألته عن سبب تعجبه، فقص عليها ما كان يرى صاحبه عبر النافذة وما كان يصفه له.

كان تعجب الممرضة هو الأكبر، وهنا كانت هذه هي المفاجأة الكبرى.

إذ قالت له: ولكن المتوفي كان أعمى، ولم يكن يرى حتى، هذا الجدار الأصم، ولعله أراد أن يجعل حياتك سعيدة، حتى لا تصاب باليأس فتتمنى الموت مثله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed
error: Content is protected !!