ابداعات

هل نابليون رجل فرنسا الأخير؟

✍️شريف جلال القصاص.

احتل جسدي داء الانفلونزا ونشر ألمه البغيض في صدري- قاتل الله كل مايأتي من جهة الشمال أصحاب الدم البارد-فجلست أشاهد المباراة النهائية من كأس العالم، وانا أسكب في جوفي ماء ساخن مضاف إليه بعض توابل طعام غير متجانسة، سوف تتصارع فيما بينها حتمًا حين تصل إلى أمعائي.

تحدث المعلق عن ذلك الكأس العربي بامتياز شعرت أنه أراد أن يقول، انها البطولة التي أثبتت أننا عبرنا ما وصفنا به نزار قبل ما يزيد عن نصف قرن:
خرجنا من السرداب
نقودنا لم تعد مجهولة
عيوننا لم تعد مرافئ الذباب.

لم يكن يعنيني من يفوز مادمت ليس ثمة دولة عربية أو إسلامية أو أفريقية طرفًا في المواجهة، لكن شيء ما بث في روعي أنّ أعلام وراية الأوطان لا يحملها سوى أبناءها، لاسيما إذا اصطدمت مع إرادة من يمثلون لشعوبهم نشوة السعادة الوحيدة لاسيما مع شظف الحياة وضيق العيش؛ فشعرت أن فرنسا لا تستحق أن تنتصر، قلبت في دفاتر عقلي عن تاريخ تلك الإمبراطورية الاستعمارية الدموية والتي تحول لون من يدافعون عنها ويحملون اسمها من اللون الأبيض الكالح إلى لون أديم الأرض.

وجدت أن نابليون آخر رجال فرنسا في العصر الحديث حقق لها من الانتصارات التي لم وربما لن تحقق مثله، ثم انقضت أيام بطلهم الأسطوري وهُزمت فرنسا في معركة واترلو ١٨١٥؛ وزال حكم بونابرت ومن بعدها تضعضعت الغطرسة الفرنسية بالتدريج و أفل عصر، وولى زمن كانوا يتقاسمون فيه العالم مع بريطانيا العظمى ينهشون فرائسهم ثم يُهضم في أجسامهم- وكأنهم نسخ من عمل الأنمي الأشهر هجوم العمالقة- حتى يزدادوا توحشًا.

هُزمت فرنسا في الحرب العالمية الأولى، وخسرت في يوم واحد ٢٧٠٠٠ من قواتها؛ وانسحب الجيش الخامس الفرنسي آخر ما بقي من قواتها.

وفي الحرب العالمية الثانية لم تخسر فرنسا قواتها العسكرية فقط وإنما خسرت شرفها العسكري حين داست أقدام جيوش ألمانيا على وجهها الغض الناعم المكسو بمساحيق التجميل وتمرغت أنفها في الحضيض لتشم رائحة التراب بعد أن اعتادت العطور باهظة الثمن، وعُلقت أعلام النازية فوق كل مباني باريس لتعلنها دور نخاسة، حتى يعيش الشعب الفرنسي أبشع خزي في تاريخه؛ أربع سنوات كاملة من الاستسلام التام، يرددون هتافات – بصوت علاء ولي الدين- يسقط الاستقلال، وحتى مع هزائم ألمانيا في نهايات الحرب، لم يرفعوا على اللص المحتل لوطنهم مُدية أو رجل كرسي- مع كامل اعتذاري لمحي الشرقاوي-ولم يفك قيود الذل عن الأعناق الفرنسية غير قوات الحلفاء وقبل استسلام ألمانيا في الحرب بأيام قليلة.

لم يختلف الأمر كثيرًا على مستوى كرة القدم فإن بلد برج أيفل- المنهوب حديده بالكامل من الجزائر- والتي تأسس اتحادها الدولي قبل مئة عام ١٩١٩ لم تحصل على كأس العالم إلا من خلال وجود رجال أجانب يشكلون غالب منتخبهم- لامؤاخذة- الوطني، فلم تمتلك فرنسا من لاعبين فرنسيين أحرزوا أهم كأس في تاريخها في عام ١٩٩٨، سوى الحارس بارتيز ولوبوف وبيتي وغيفارش واسألوا عن ذلك زيدان الجزائري وحتى دي دي ديشامب صاحب الأصل الأسباني والذي أصبح مدربهم الحالي.

ما اريد قوله فرنسا لا تحقق انتصار بعد نابليون-رجلهم الأخير -إلا من الإعتماد على الرجال الأجانب، بقيَّ أن أخبركم أن نابليون المولود في جزيرة كورسيكا ينتمي لأبوين من أصل إيطالي.

اطلب برنامج ويبو للمدارس والجامعات اطلب برنامج ويبو للمدارس والجامعات
error: Content is protected !!