بورتريهخواطر

الشر الجميل

✍️شريف جلال القصاص

الجمال! كلمة ذات مذاق مميز في الحلق، ونغمة ساحرة يطرب لها القلب، تزيد الحَسن في كل شيء حُسنًا، تجعل المُر محتملًا بلا ضجر، فهيهات بين الصبر المدفون في الكبد جمرًا، وبين الصبر الجميل الذي يريح بالك ويُذهب غيظك ويلتئم به جُرحك، اختلف الناس في تفسير وشرح لتلك الكلمة الجميلة (
الجمال) وأخترت منها قول طه حسين:”الجمال لايستقيم إلا إذا جاوره القبح، والنعيم لايكمل إلا إذا جاوره الجحيم”.

الجمال في رأي وصف يليق بكل شيء، وصل إلى منتهى الكمال، يتساوى في ذلك الأبيض والأسود، الطويل والقصير، البارد و الحار، الثمين والزهيد، بل وحتى الخير والشر لا مانع من وصفهما بالجمال، فكما قال ابن القيم “كل ما يصدر عن الله جميل ، وإن كنا لا نرى الجمال في المصيبة”نحتاج الخير لاشك، مشكاة أَضوًَ من الشمس ومصباح مثل كوكب دري أكثر نورًا من القمر، يبدد سواد الشر يطفيء ظلمته، يسلخ النهار من ليله، لكن أنَّا لنا أن نحيا بالخير وحده، عالم من الأخيار وحدهم يجعلهم مثل الروبوتات لا يستحق أي منهم أوصاف الخير، فما معنى أن يكون المرء شجاعًا بغير مجابهة قهر وبطش الأشرار؟!

وأي كرم وسخاء بغير بخل الأشرار، ولماذا يوصف أحدهم بالعدل وليس ثمة ظلم وجور الأشرار.الشر لا غنى عنه يكسبنا صلابة، مثل معلم يستخدم القسوة؛ كي يشتد العود وتكتمل القوة.الخير والعدل، الحق و الشجاعة، والقوة والصبر، المقاومة والنصر معاني لا تتحقق إلا بضدها، ولا تتأتى إلا بعد مفردات الشر مثل الجور والظلم البطش والقهر العذاب والذل…..

هابيل رمز الخير والحق ما كان ليُخًلد ذكره لولا أخيه قابيل الوجه الآخر -أيقونة الحقد- رمز الشر، من سيكون صلاح الدين الأيوبي بغير الصليبيين، وأي مكانة لسيف الدين قطز بدون ظلم المغول وسفكهم للدماء، وما كنت سندريلا بطلة الخير الخيالية التي ولد مجدها من رحم معاناتها من شر زوجة أبيها تلك المرأة الشريرة القاسية.

الخير مدين للشر فقد حقق له المكانة والرفعة وكأنه نفخ فيه روح التضحية والفداء الكرامة والكبرياء.

فكم من خامل الذكر ضعيف الهمة محدود القدرات حوله الظلم والشر إلى طود شامخ وجبل أشم حين صَارعه ودَافعه؛ لينتزع حقه ويستعيد كرامته ليُظهر الحق ويُزهق الباطل.

الشر بمعناه الواسع لابد منه فما أجمل الراحة بعد النَصَب! والصحة بعد المرض والشبع بعد الجوع، والانتصار بعد الانكسار، استرداد الحق بعد قسوة الظلم، بل ما قيمة الخير بدون الشر؟ما أجمل الشر حين يصطف في العلن؛ ليستخرج من أهل الحق الدليل على أنهم أهل لهذا الحق وذاك الخير!

ما أجمل الشر حين يؤدي دوره بكل بسالة وإصرار للدفاع عن الشر والباطل الذي يؤمن به! لا يتراخى ولا يفتر عزمه يظل يختبر أهل الخير أو من يدعون أنهم كذلك تظل ناره تمتحن معدنهم، وتبقى سيَاطه تضرب ظهورهم حتى تخرج منهم من ليس أهل أن يكون معهم.

أيها السادة، لا تلعنوا الشر فهو جميل رغم قبحه عدل رغم ظلمه صاحب فضل على الخير وأهله وسوف يظل الشر ما بقى أهل الخير في حاجة لمن يخلع عليهم صفة الخيرية يلبسهم بكفه الغليظ وساعده القوي تاج العدل، وسام الشجاعة، وثيقة التضحية، رداء الشهادة، ولن يزول الشر حتى يمر كل الأخيار في طريقهم المفروش بالاشواك إلى الخلود والنعيم.

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed
error: Content is protected !!