نقد سينمائي

بين لعنة الفراعنة والسحر الأسود .. (زودياك) تجربة شبابية تستحق الإشادة

يقولون دائماً أن الأعمال الدرامية  المعدة عن أصل أدبى تكون دائماً أفضل من غيرها .. فهل هذا صحيح ؟؟

بصراحة شديدة لست من أنصار هذه النظرية  ، لأني أعتقد أن قوة أي عمل تكون في قصته قبل أي شئ ، وهناك أعمال فنية ليست مأخوذة عن نصوص أدبية ومع ذلك متماسكة درامية وبها حبكة قوية وشخصيات مدروسة بعناية ، وهناك أعمال أعدت عن نصوص أدبية ولم تلقى رواجاً كبيراً ولم تكن على المستوى المطلوب . إذن ليس ضرورياً لتصنع عملاً قوياً أن يكون مستنداً إلى نص أدبي ، ولكن ذلك لا يمنع أن هناك أفلام ومسلسلات استندت إلى روايات ناجحة وقت عرضها وحققت رواجاً كبيراً مثل فيلم (هيبتا) و(عمارة يعقوبيان) أو مسلسل (حرب الجواسيس) و(ذات) على سبيل المثال بالإضافة إلى العديد من الأفلام التي أعدت عن روايات نجيب محفوظ واحسان عبد القدوس.

ولكننا هذه المرة بصدد عمل مختلف يعرض هذه الأيام في الموسم الرمضاني وهو مسلسل (زودياك) المأخوذ عن كتاب (حظك اليوم) للكاتب الكبير الراحل د.أحمد خالد توفيق ، والذي عرف عنه منذ رواياته الأولى أنه يهوى الكتابة في أدب الرعب وله سلاسل أدبية كثيرة إستطاعت أن تجذب قطاعات كبيرة من الشباب مثل (سفاري) و(ما وراء الطبيعة) و(فانتازيا) ، يحب دائماً أن يتطرق دائماً لمواضيع لم تكن مطروقة قبله في الأدب العربي ، لهذا إعتبر أول رائد لأدب الرعب في الوطن العربي ، ورغم تحقيق رواياته لمبيعات كبيرة طوال الوقت إلا أنه لم يفكر أحداً من صناع السينما إلى تحويل إحداها لعمل سينمائي أو تليفزيوني ، حتى أعلن في آواخر 2018 أن شركة VIU سوف تخوض تجربة تحويل إحدى رواياته لمسلسل يعرض مباشرة على الإنترنت ، إنتظر جميع عشاق د.أحمد العمل حتى تم عرضه على قنوات مع بداية رمضان.

شاهدت حتى كتابة هذا المقال 6 حلقات فقط من أحداثه ورأيت فيه بعض الإيجابيات وبعض السلبيات يجب الإشارة إليها بحيادية شديدة ، ولكن إسمحوا لي أن أبدأ بالإيجابيات ، فأنا أرى أن (زودياك) تجربة مهمة وفريدة من نوعها وتستحق الإشادة رغم سلبياتها الواضحة ، أولاً لأن إنتاج مسلسل بهذا الحجم يعد مغامرة بكل المقاييس نظراً للإعتماد على مجموعة من النجوم الشباب ليس من ضمنهم بطل كبير أو نجم شباك كما يقولون يباع بأسمه العمل ، وهذا يعد تشجيعاً كبيراً لهم وهم مازالوا في بداية مشوارهم  إذ تم الوثوق فيهم ليحملوا جميعاً عملاً واحداً. ثانياً المجازفة بقصة وشخصيات وشكل درامي غير معتادين بالمرة في المسلسلات التليفزيونية ، ثالثاً تحطيم قاعدة ال30 حلقة وتقديم مسلسل تقع أحداثه في 15 حلقة فقط بعيدين تماماً عن فكرة المط والتطويل التي تشوب بعض الأعمال الآخرى التي تعرض معه في نفس الموسم ، رابعاً ورغم أن العمل ليس به نجوم كبار وقصته مختلفة للغاية فقد تم الإنفاق عليه بعناية واضحة ، ولم يبخل منتجوه عليه بشئ.

 تبدأ أحداث (زودياك) بعدة خطوط درامية متشابكة أولها حول مجموعة من لصوص المقابر الفرعونية ويعملون في السحر الأسود ، يسرقون مقبرة ويقدمون مومياء الملك الذي وجدوها قرباناً للآلهه ، ويجسد أدوارهم (إنجي أبو زيد) و(أحمد طلعت) و(تامر نبيل) ، ثانيها حول الفتاة يمنى (أسماء أبو اليزيد) والتي تعمل في مشغل وتنتابها من حين لآخر نوبات هلوسة وصرع تنتطق خلالها بهمهمات غير مفهومة ومع تكرار تلك النوبات تشك زميلتها إيمان (ياسمين رحمي) ورئيسها في العمل أنها ملبوسة وبالتالي يتم رفدها من العمل ، وثالث الخطوط حول عالم الفلك المعروف عدنان والذي يتاجر سراً في الآثار وعندما يفتضح أمره يحاول الهرب خارج البلاد ولكنه يموت في حادث أثناء هروبه ، رابع خط درامي يتم تقديمه هو خط الستة أبطال الرئيسين للعمل وهم طلبة بكلية الإعلام في إحدى الجامعات الخاصة وهم شريف (خالد أنور) مريم (مي الغيطي) وسلمى (مايان السيد) وعزت (أحمد خالد صالح) وسامي (محمد مهران) وليلى (هند عبد الحليم) والذين يقومون ببحث حول الفلك ويقابلون عدنان قبل مقتله وبالتالي يتم التحقيق معهم بعد وفاته عما إذا كانوا يعرفون أي معلومة قد تفيد.

تبدو الخطوط الدرامية في الحلقات الأولى غير متناسقة مع بعضها ولكنها سرعان ما تبدأ في التشبك عندما تقابل مريم يمنى وهي تبحث عن عمل ، فتقرر مريم أن تستضيفها في منزلها وفي يوم يزورها عزت ويحدث ليمنى نوبة صرع في حضوره فيشعر بالريبة ويبحث في أغراض يمنى حتى يجد صورة غريبة لثعبان ويتذكر أنه رأها في بيت عدنان وهم يجرون الحوار ، في الوقت الذي تبدأ فيه إنجي أبو زيد بالبحث عن يمنى عندما تعرف أنها تعمل في مشغل فتذهب لتجدها قد تم طردها فتعطي أموالاً لإيمان كي تجدها ، في نفس اليوم يذهب عزت ليسأل عن يمنى في عملها فتقابله إيمان أيضاً ومن هنا تنطلق أحداث المسلسل في إطار رعب تشويقي.

هناك تشتت واضح في رسم شخصيات العمل تحديداً الشخصيات الرئيسية ، فحتى الحلقة السادسة لم يتم تقديم خلفيات كافية عنهم ولم يتم تقديم دوافع أو مبررات لأفعالهم وتصرفاتهم سواء كانت شخصيات الأشرار أو شخصيات الطلاب الستة ، جميع الشخصيات تتحرك داخل إطار الحكاية فقط ليقوموا بأفعال تدفع القصة للأمام دون وجود منطق يحكم هذه الأفعال ، مما قلل كثيراً من التفاعل الذي كان يجب أن يحدث مع شخصيات مثل هذه وأنا أعتقد أن هذا التشتت سببه أنه لم يكن هناك مؤلف واحد للحلقات ، هناك فقط مشرف عام على الكتابة هو محمد المعتصم وهو من قام بعمل المعالجة للرواية الأصلية فقط وكل حلقة لها مؤلف منفصل أو مؤلفان غيره دون وجود داعي أو سبب منطقي أيضاً , فلماذا لم يتم إسناد كتابة العمل لمؤلف واحد ؟؟ 

أما على المستوى التمثيل فحاول جميع الممثلون أن يتجاوزوا النمطية الشديدة في أدوارهم ويجعلوها أدوار حية هناك من أخفق وهناك من نجح ، ومن الناجحين تأتي ياسمين رحمي التي تجسد دور إيمان الفتاة التي تعمل مع يمنى في المشغل وتتسبب في طردها ومن ثم تتأمر عليها وتأخذ رشوة مقابل أن تقوم بتسليمها لمجموعة الأشرار ، ويحسب لياسمين أنها هربت من نمطية الدور وذهبت به لمنطقة أداء جديدة وانا أرى أن ياسمين من أبرز الوجوه الشابة الذين ظهروا على الساحة في الفترة الأخيرة ولها أيضاً تجربة آخرى في مسلسلات الإنترنت وهو (أنا شيري دوت كوم) والذي سنتحدث عنه بإستفاضة عندما يبدأ عرضه في النصف الثاني من رمضان. من أبرز الممثلين الموجودين في المسلسل والذي يجب الإشارة إلى قوة أداءهم هو خالد أنور في دور شريف وربما هذه الشخصية الوحيدة تقريباً الذي تم ذكر شئ عن ماضيها وبالتالي وجود مبرر مفهوم لتصرفاته وأفعاله داخل الأحداث وتمكن خالد من الإمساك بكل تفاصيل الشخصية بشكل مختلف عن ما قدمه من قبل ، أيضاً  مي الغيطي نجحت في التماس التام مع شخصيتها واستطاعت تقديم شخصية مختلفة عن ما قدمته من قبل ويحسب لها بشدة المشهد البديع الذي ادته عندما علمت بوفاة عزت. أسماء أبو اليزيد إستطاعت في وقت قصير أن تحظى بإعجاب الجمهور والنقاد عقب أداءها المذهل في (هذا المساء) وظهورها المميز بعد ذلك في (ليالي اوجيني) و(أنا شهيرة .. أنا الخائن) وفيلم (الكويسين) ، لكن في (زودياك) يؤسفني القول أنه لم يعجبني ما قدمته وكان هناك أكثر من مشهد اتسم اداءها فيهم بالمبالغة الشديدة تحديداً في مشهد طردها من العمل وجميع المشاهد التي كانت تأتيها فيها نوبة الصرع ، اما محمد مهران ومايان السيد وهند عبد الحليم فلم تتضح شخصياتهم بعد وإن كنت أتوقع أنها ستأخذ مساحة أكبر في الحلقات القادمة.

ملحوظة آخرى لها علاقة بالتنفيذ نفسه وأعتقد أن فيها تأثر واضح وغير مبرر بالمسلسلات الأجنبية وهي وجود مشهدين أفان تتر في كل حلقة ووجود تتر منفصل لكل حلقة يكتب فيه أسماء الممثلون حسب ظهورهم ويتم كتابته على المشاهد ويستمر عرضه حتى الدقيقة العاشرة من كل حلقة رغم أن مدة الحلقة تتراوح من 25 إلى 30 دقيقة ، معنى ذلك أن ثلث الحلقة الأول لا يمكن متابعته بشكل جيد بسبب نزول أسماء صناع العمل أثناء المشاهد نفسها.آخر ملحوظة لها علاقة بإسم العمل نفسه (زودياك) الكلمة غير دارجة وليس مفهوماً معناها ، بالتالي كان يجب على صناع العمل شرح معنى الإسم داخل الحلقات فأنا اضطررت للبحث لأعرف أن كلمة (زودياك) معناها دائرة الأبراج.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed
إغلاق