ابداعاتقصص

الغياطلة ٣

شريف جلال القصاص

هل يدل إينار -الجني العاشق- على مكان عشيرته تحت التعذيب؟ وهل يستطيع جمار زعيم الجن أن يصل إلى عقيق وعشيرته على ضفاف الخليج الفارسي ليقضي عليهم؟وما مصير زمرد- الجنية العنيدة-وزوجها البشري؟ نتابع ليس لخيانة الأوطان مبرر، ولا كرامة لخائن حتى عند من خان لأجلهم، الوطن ليس الأرض و المكان، هو أعظم من حبات الرمال، ليس القصور أو الخيام.الخائن يبيع قومه وأمته.يفرط في الماضي والتاريخ، قبل أن يضّيع المكان والجغرافيا.

أوشك إينار أن يبوح بالسر لكن روحه رفضت وتمردت قبل أن يفعل، أو ربما هو من أوشك أن يسمح لها بذلك حين فقد القدرة على مقاومة العذاب، كاد أن يعلن أنه سوف يقدم روحه قربانًا لقومه، وَد لو يودع أمته، ابيه وامه وأصدقائه المقربين، بل وحتى الذين طالما كره صحبتهم، أراد أن يخبرهم جميعًا أنه اختارهم على نفسه وفضلهم عن روحه، لكن ماذا عن شذون حبيبته المتيم بها منذ طفولته؟ والذي كان إسمها آخر ما نطق به و بكل ماتبقى فيه من قوة قبل أن يغيب عن الوعي؛ أرادها أن تسمع أنه لن يحنث بوعده سيظلا سويًا طوال العمر لكن كيف وهو على حافة الموت؟أحاط بقبيلة تميم غبار لا ينذر بخير، صرخت عجوز:(واغوثاه الإبل تغير علينا!)

لم يتبين أحد من ملامح راكبي النوق غير عيون حمراء مثل الجمر، واجسام بالغة الطول والنحافة كأنهم جذوع النخل، لم يتعرض الغزاة لأحد من البشر، لم يأذو حيوان أو جماد، أنهم مثل جراح حاذق أو صياد محترف، أرادوا فقط زمرد بنت عقيق؛ لتصبح طعمًا لصيد قبيلتها، بعد أن فشلوا في أجبار إينار على القيام بذلك.

وبينما أحاطوا بفريستهم، ظهر سليمان مثل الملاك الحارس لينقذ زمرد من بين ايديهم بعد أن طعن إثنين من الجن تشكلوا في صورة ذئاب، في الوقت الذي قام أحدهم بضربها بمخالبه ضربة غير قاتلة على رأسها فشجها، ولأنها في صورتها البشرية أُغشي عليها، التقطها زوجها وحملها على ظهر جمل يشبه بياض الثلج حاملًا في يده الأخرى طفله الرضيع، وأسرعوا يسابقون الريح يطاردهم شياطين الجن.

عاد نفر من الجن أرسله عقيق لاستطلاع الأمر في قبيلة تميم، فسأله في لهفة:-هل عرفت شيء عن مصير ابنتي؟

-لقد هاجم عقيق وأتباعه القبيلة وحاولوا أسرها.

فزع الأب وكاد أن يخنق الرسول، الذي أسرع وقال له قبل أن يختنق، أنهم لم يفلحوا في أسرها بعدما أنقذها زوجها البشري، لم يطمئن عقيق وقرر أن يذهب إلى جمار يدافع عن نفسه، يحاول أن يثبت له أنه لم يتعاون مع قبيلة الغياطلة، لا يمكن أن يخون ابناء جنسه لصالح أصهاره من البشر، يطلب منه أن يترك ملاحقتهم أو على الأقل يدع أبنته فلا شأن لها في ذلك، كان يعلم أن مهمته مستحيلة وانا نار الانتقام تمليء قلب جمار وأنه لن يستمع لكلامه، لابأس قرر أن يحاول على إيه حال.

بينما يحاول عقيق الذهاب للبحث عن زمرد ابنته منعه جلمود وتعهد له أنه سيبذل جهده في البحث عنها وإنقاذها من عدوه جمار-فما كان لذلك الآفاق أن يضحي بذلك الكنز الثمين، المصباح السحري القادر على أن يحقيق لهم المستحيل، فلا أقل من مساعدة سبب سعده هو وبني سهم أو الغياطلة-

كلف بعض الجن الأقوياء بالأمر بعد أن حصنهم بتعويذته حتى لا يراهم أحد من قبائل الجن الأخرى وطلب منهم حمل زمرد إلى والدها مهما كان الثمن، وإلا فسوف يقضي عليهم.

نجح سليمان التميمي وأسرته الصغيرة بالنجاة باستخدام الجمل النجيب الذي قطع الفيافي مثل البرق وابتعدوا عن أتباع جمار، لقد غاصوا في قلب الصحراء في أرض تبدوا من العالم الآخر، ترجل سليمان وهو يحامل زوجته التي أفاقت لتوها، صرخت عندما وجدت طفلها في مهده الصغير فوق ظهر الجمل، ضمته في فزع ثم أمسكت بخطام الناقة بعنف-

أو لنقل الجني المتشكل في صورتها-الذي نطق بصوت مفزع:-

دعيني أكاد أن اختنق.-هل أمرك جمار بقتلنا؟-لو فعل لما تأخرت ولكنتم في عداد الموتى، فقط رتبنا مهاجمتك لتهربي، وترشدينا إلى مكان والدك، لكن الأمور لم تسر كما خططنا، أُصيبت رأسك وفقدت الوعي وظل زوجك يلهب ظهري ويجبرني على الركض حتى وصلنا إلى ذاك المكان القفر. تعجب سليمان من الحوار العجيب بين زمرد وناقة تتحدث بصوت مرعب، لم يعد هناك مجال للشك زوجته التي عاش معها قصة حب قوية طوال فترة زواجهما، لم تكن غير جنية خدعته وتشكلت في صوره بشرية، وربما يطاردها أبناء جنسها من الجن اعتراضًا على هذا الزواج- لا شك أن العنصرية قديمة فلا جرم ينظر الجن للبشر باستعلاء- نظر سليمان بغضب لزوجته لكنها هدأت من روعه وهمست إليه بأنها سوف تشرح له كل شيء فقط بعد أن يتجاوزون ذلك الموقف العصيب.

لحقت شذون بأسرة سليمان أثناء فرارهم، ووقفت من بعيد تتابع مايحدث بين زمرد وزوجها البشري، عساها تجد إينار أو تعرف أي خبر عنه، فهي على يقين أن جدها جمار زعيم الجن وأتباعه لا جرم يراقبون المكان مثلها، وينتظرون الوقت المناسب لأخذ زمرد كرهينة للوصول إلى والدها، بالطبع لن يقدم جمار على إيذاء سليمان والدخول في معركة مع قبيلته وخاصة أن بنو تميم والغياطلة بينهم علاقات وصلات قوية، وأن قتال جديد مع البشر وأصهارهم من قبيلة عقيق سيصبح وقعها مدمر على مستقبل قبيلته، وربما على قطاع كبير من بني الجن.

انقشع الغبار عن قبيلة تميم وشرع الجميع يتفقدون خيامهم، زوجاتهم وأطفالهم ودوابهم كلّ يبحث عن أي شيء فقده، يبدو كل شيء على حاله، سوى الحر الشديد الذى شعروا به، وكأن الغزاة قد جاءوا من قعر الجحيم، صرخت أم سليمان تنادي على ولدها وزوجته وحفيدها، أنتبه أبناء القبيلة وانتشروا يبحثون عن المفقودين في كل مكان وخرجت رجال على ظهر الخيول تطلبهم في الجوار، وخرجت خيول أخرى تطلب النجدة من حلفاءهم من القبائل القريبة أو البعيدة عنهم، لاسيما أن عدوهم ليسو من البشر.

شذون! شذون!

كان الصوت خافتًا لكنها سمعت إينار وهو يناديها بضعف كمن يجود بروحه، اقتربت من الصوت حيث كان حبيبها ممدد على الأرض، في حراسة إثنين بعيدين عنه فهما يعلمان أنه لا قوة له على النهوض من مكانه فضلًا على الهروب، شعر إينار بها وقبل أن يتكلم، طلبت منه ألا يجهد نفسه، فسوف تجد طريقه لتحريره من ابناء قبيلتها، تلفت المكلفين بحراسة إينار فأسرعت شذون في الاختباء بالقرب منهم، سمعتهما يتحدثان بصوت خافت:-ترى على تنجح خطة جمار في الوصول إلى عقيق وأتباعه؟-

لا أدري، فقط علينا أن نحرس ذلك العنيد ونمنع هروبه إذا أردنا الحفاظ على رأسينا في موضعهما.ظلت زمرد ممسكة بخطام الجني المتشكل في صورة الجمل، حاولت أن تجبره على البوح بخطة جمار البديلة، وكان يصر على أنه لا يعرف، أعطت طفلها خالد لوالده سليمان ثم طلبت منه أن يتمسك به جيدًا ويستعد، وقبل أن يسألها أستعد لماذا؟ كان صوت الضجيج يصم الآذان وضوء الشمس قد حُجب وعم الظلام يغلف الصحراء، لقد أحاط الخطر بالجميع وأعلن جمار أنه لن يتخلى عن الوصول إلى عقيق وأتباعه، صرخ سليمان باسم طفله الرضيع خالد، نادت زمرد في فزع تسأله عما حدث لطفلها لكنها لم تتلقى أي جواب ….

يتبع

اطلب برنامج ويبو للمدارس والجامعات اطلب برنامج ويبو للمدارس والجامعات
error: Content is protected !!