ابداعاتخواطر

الغياطلة ٤

شريف جلال القصاص

هل تحدد تلك البقعة القاحلة من صحراء الجزيرة العربية مصير الصراع بين قبائل الجن فيما بينهم من جهة وبينهم وبين البشر من جهة أخرى؟ ماذا تفعل زمرد بنت عقيق لو خيرت بين طفلها الرضيع وبين وزوجها البشري؟ وماذا يفعل سليمان بعد أن عرف أن زمرد زوجته وأم طفله الوحيد من عالم الجن؟تتشابك الأمور أحيانًا وتتعارض الأولويات وتتقاطع المشاعر، ونسقط في بحر لجي من الألغاز المستحيل تحديد إجابة قاطعة لها.

نتابع

١-(سليمان، أجبني ماذا حدث لصغيرينا خالد؟ سليمان، أين أنت؟)

حاولت زمرد أن ترفع صوتها وهي تنادي على زوجها الذي كان يحمل طفلهما خالد، قبل أن يحل الظلام الكثيف ثم سمعته وهو يصرخ وهو ينادي على ولده، حدقت زمرد دون أن تفلح في أن ترى شيء في ذلك بالمكان الذي أصبح مثل الليل البهيم، ولم يكن بوسعها أن تعود إلى صورتها الجنية؛ طالما أنها مصابه بذلك الجرح في رأسها فسوف تظل حبيسة صورتها البشرية إلى أن تبرأ، استمرت المسكينة تتخبط مثل أعمى يلتمس موضع قدمه عساها تجد زوجها وطفلها.

شق سليمان الغبار الكثيف وظهر أمام زمرد فجأة؛ تراجعت فزعة ثم استبشرت في لهفة وهرولت نحوه، نظر إليها بريبة وهو يحمل طفله، كان مشتت الذهن كيف لا وهو في حضرة عفريت، عاد خطوات للخلف، سألته في غضب: -ماذا تفعل؟ أعطني ولدي.

أسرع سليمان يحمل الرضيع ويعدو كالمجنون وهو يتمتم لن أدع لك صغيري أيتها الجنية اللعينة، تمكن الغضب من زمرد ممزوجًا بالشعور بالخطر على طفلها؛ أسرعت خلفه رغم جرحها، فالأمومة فطرة تسموا فوق مشاعر الحب بين الزوجين لاسيما إذا تحولت العلاقة إلى عداء.

لكن لماذا؟

هل لمجرد أنه اكتشف أصلها الناري؟

أم أن هناك سبب آخر؟

تعثر سليمان وسقط لكنه استطاع أن يحمي طفله حتى لا يتأذى، نفض الغبار عن وجه الصغير وهمّ أن يستأنف الفرار، لولا أن مخالب كالفولاذ اخترقت كتفه جعلته يفلت الطفل ليسقط من يديه.

٢-لم يستطيع جلمود أن يمنع عقيق من الذهاب لإنقاذ أبنته لاسيما بعدما عاد رُسل الجن بإصابات بالغة- يبدوا أن حيلة الطلاسم لم تعد كافية أن تخفي أتباع عقيق- وأخبروه أن زعيم الجن أحكم سيطرته على المكان، وأن زمرد في خطر كبير، وقد استطاع إينار الهروب والاختباء قرب بئر قديم خالي من الماء، لكنه يشرف على الموت، تسأل والد إينار وهو يبكي ولماذا لم تحضروه معكم، أجاب أحدهم أنهم لن يضمنوا سلامته وهو في تلك الحالة.

في تلك الأثناء كانت قبائل البشر في الطريق تتوافد إلى ميدان المعركة من كل صوب لا سيما قبيلة تميم وحلفائها من الغياطلة. قرر جلمود أن يقود بنفسه تلك المعركة؛ فحشد عدد كبير تشكلوا على هيئة حيات وذئاب ووحوش، بينما قاد عقيق بعض الجن على صورتهم دون تشكل، محصنين بطلاسمه على أمل أن تخفيهم عن أعين أعدائهم وما إن وصلوا إلى أرض المعركة كانت المفاجأة في انتظارهم.

٣-سقط الرضيع من يدي والده لتلتقطه والدته وبرغم ما تعانيه من وهن استجمعت قوتها لتسترد طفلها، حتى ولو على حساب حياة زوجها البشري الذي أحببته من كل قلبها، كان قتال غير متكافيء بين رجل وامرأة في ظاهره، بينما في الحقيقة كان بين زوجين من أصلين مختلفين أحدهما من الطين والآخر جوهره النار، شيء ما جعل أحدهما لايسعى أن يؤذي الآخر، لكن خدوش عديدة طال وجهيهما قبل أن يصيب زمرد سهم قرب موضع قلبها.

ويبدوا أن مُطلق السهم اختار وقت مناسب حين اقترب عقيق ليكون شاهد على اقتتال ابنته وزوجها ثم إصابتها بذلك السهم المميت، أسرع لنجدتها بينما فر سليمان بولده، وبأمر من عقيق تبع سليمان عدد من الجن لينال جزاء اعتدائه على زمرد، وأصيب بجرح بليغ في توقيت يبدو محسوب بدقة، فقد رأت أفراد من قبيلة تميم ماحدث، فاجتمعوا على الجن المتشكل في صور ذئاب ووحوش وحيات، وبدأت المعركة بين البشر والجن.

وأطلق جمار ضحكات هو يتابع بطريقته الخاصة- رغم بعده عن المكان- جبهات القتال التي أعدها بعناية، ساد الهرج و أزهقت الأرواح وسالت دماء الفريقين ليرسم لوحة الموت المرعبة على صفحات الرمال بين فريقين وقعا فريسة خدعة محكمة وفتنة ألقت بهما في أتون حرب دامية، لم يكن لأي منهما فيه ناقة ولا جمل، فكلاهما ظالم ومظلوم في الوقت نفسه، والضدان في حال دفاع عن النفس نتيجة تلك المؤامرة التي حيكت بعناية.

٤-بحثت شذون عن إينار بينما تساءل في نفسها كيف لذلك السقيم المتهالك صنو الموت أن ينجو من جنود جدها الأقوياء؟

قرب بئر ماء خرب لمحت شبح يقف على قدميه، اقتربت لتجده من كانت تبحث عنه وقد استرد جزء كبير من عافيته، وكأنما وهبت له حياة ثانية، أقبلت عليه تسأله ويكسوا وجهها ابتسامة رضا:-

كيف نجوت أيها الشيطان؟

– سوف أخبرك، لكن علي أن أسرع إلى قبيلتي حتى أعيد الطمأنينة إلى قلب والدي.

– أنهم هنا بالجوار.

وبينما هما في الطريق أخبرته بكل شيء رأته منذ غيابه ووقوعه في الأسر وحتى دارت رحى الحرب الدامية بين قبيلته وبين بني البشر من بني تميم وحلفائها.

٥- وقع جلمود في حيرة عندما رأى حلفاءه- والذي قرر أن يقودهم في معركة ضد زعيم الجن- في ذلك الوضع الصعب، وتحولت المعركة من قتال بين قبيلة عقيق التابعة له وقبيلة جمار، إلى معركة بين أنصاره من الجن- مصدر ثراءه وقوته-وبين بني جنسه من البشر، بينما لا يرى جمار أو أي جني من الأعداء، هل غادروا المكان قبل أن يصلوا؟ أم أنه فقد قدرته العجيبة على رؤية الجن؟

لكنه مازال يتابع بوضوح كل جيشه من الجن الموالين له! زعيم الجن وأتباعه حتمًا في مكان بعيد طالما أنه لا يراهم، ولا يشعر بوجدهم، لكن كيف يقود تلك المعركة بتلك الكفاءة دون تواجد؟

وماذا يفعل وهو يرى جمار وابنته زمرد وعشيرته في قبضة قبيلة تميم على وشك أن يفتكوا بهم انتقامًا على ماحل بابن زعيمة القبيلة؟

٦- وصل إينار وشذون في الوقت المناسب عندما دنت المعركة المريعة من النهاية، وأوشكت أن تلفظ أنفاسها الأخيرة، معلنة انتصار مهزم وهزيمة منتصر، فالمعركة سجال بين الفريقين، معادلة صفرية لن تُبقي ولم تَذر ولن يبقى رأس لوضع إكليل الغار عليه، أسرعت شذون بإشعال حريق كبير أجبر قبائل البشر أن تبتعد.

وبينما ينظر الجميع في دهشه طلبت شذون من زمرد ووالدها عقيق وأتباعه المحيطين به أن يسرعوا ويلحقوا بها إذا أرادوا النجاة، عرفها عقيق وما كان ليقبل ما تطلبه وهي حفيدة عدوه لولا أن رأى إينار ابن قبيلته بجوارها، ونظرت زمرد إلى والدها تريده أن يقبل فليس من ذلك مفر في ظل ذلك الموقف العصيب، وبخاصة أن شذون في نظرهم من ساعدت إينار، في تحدي لجدها وزعيم قبيلتها معلنة انتصار الحب على كل ما سواه.بالفعل أسرع الجميع خلف حفيدة عدوهم إلى داخل كهف محصن، يبدوا أنهم نجوا أخيرًا من ذلك الخطر القاتل، بينما تسعى زمرد أن تشكر شذون وتعتذر على سوء ظنها بها في البداية، وتشكرها على إنقاذهم، سمع الجميع صوت مميز لا يمكن أن يخطأه عقيق أنه صوت عدوه اللدود جمار، الذي اقترب بعد أن أحاط أتباعه بمن بقي من قبيلة عقيق وقيدوهم في أغلال من فولاذ، وكذلك الحال مع جلمود ذلك البشري الشيطان.

كيف نجح جمار في الإيقاع بكل أعدائه؟ وكيف سيكون مصيرهم؟هل تحالف جلمود مع جمار وخان عقيق؟ كيف نجا إينار؟ وهل يكون هو الخائن؟وما مصير سليمان وابنه الرضيع؟

يتبع..

اطلب برنامج ويبو للمدارس والجامعات اطلب برنامج ويبو للمدارس والجامعات
error: Content is protected !!