ابداعاتخواطر

عـزيزتي الأيام

مشتهى عوض الكريم

وددتُ أن أكتبُ لكِ شيئًا يُفاقم دهشتي، أن أغازِل وديانكِ الشاسعة، أن أُحيك ممراتكِ شالاً؛ أرتدِيه كلما اسودت في وجهي المقاصِد، وددتُ شيئًا مِنكِ يُداري تلك المآذِق التي أعيشها في كل ليلة فأعاني، تلتهمُني شكواي التي لاتنتهي، وددتُ أن أسجيكِ بِحرُوفي التي تنجلي مُسرعة؛ لتؤرق وصفها المقصود ببراعة، وددتُ التخلص من نحيبي المُستمر، وقلة حيلتي، وخوفي مما تخبأينهُ لي، فكلما حاولتُ الكتابة، صدتنِي لعلها تُخبرني: بأنكِ وحدكِ من تستطيعين البوح عنك، ووحدك من تعلمين السِر وراء المخاطِر التي تندثِر على بُقاعكِ.

سلامًا من القلب إلى أيامٍ وردية تخلو من العتب، وأرصفةٍ يحتضِنـُها أسى وبُعد، تسبب من خُلوها لذكرياتٍ قديمة، ومواقف يستوجبُ أن لا تُنسى، فلستُ أعلم سوى أنني في كل مرةٍ أختار الماضي على الحاضر، وفي كل مرةٍ أُعيد تكرار أيامي الراحلة بِمخيلتي لعلها كانت تلك أجمل أيامٍ عِشتها في حياتي، وما دار بعدها كان مُجرد سراب لا يستوجِب حتى لعقلي أن يحتفظ بشيء منه، لكنني نسيتُ أن ما خِلت فقدانه يُستوجب نسيانه حتى تستمر في مُتابعة ما ينتظرُك من أحداثٍ أخرى.

هكذا أنا، كنت أتوسدُ الأيام حسرةً، أنام عليها دون أن أعلم كم هي المُدة التي سأمكثها عليها، وكم من الوقت سيمضي حينما أكون بِثُباتي نائمةً، فكان للوقت قُدسية ساحرة في نيل الحق الأوفر في الراحة، لكن لم يكن لديّ الوقت الكافي؛ حتى أُعيد ترميم ما تمزق مني، ومُداوة جُروحي المُلتهبة.

الكلُ يذهب إلى الطبيب حين يشعُر بالمرض، لكن ليس الكُل لديه القدرة في فهم مكان المرض إن كان يكمُن بداخل النفس أم خارجها!

نحن في زمن الرخاء، حيث الكل يبحث عن نفسه ويُؤنس بوحشتها، فلا نجد أيادي تُمسك بنا حين تضيق بنا الطرقات، ولا نجد مكانًا يلملم شتات أرواحنا التي باتت تتمزق يومًا بعد يوم، بدم بارد، وقلب محسُور، وصحراءٍ تخلو من المنازل وأعمدة الإنارة، تختبىء أقدارُنا.فكانت نفسي هي الحل الأمثل؛ لإخراجي من كنفِ هذا الضيق الذي أعيشه بمفردي، حسبتُ أن لكل شيء نهاية إلا أنا ما أصابني ظل أعوامًا يُصادق جسدي ويأبى الخُلو منه، يتجدد يومًا بعد يوم حتى حسبتهُ رفيقًا لي منذ ولادتي.

وددتُ أن أتمايل مع معزوفةِ الغناء، كسمفونية مُغني تُحي موسيقاهُ القلوب النائية، لكنني في كل مرة أسقُط قبل بدء المعزُوفة، وأمثلُ ببراعةً دور الفتى الضعيف الذي لا يملكُ سوى جسدهُ المرتعش، وقلبهُ المثقوب، وحِباله الصوتية المُصابة بأرق تخلل من جسدٍ أصابته الحمى، ولم تذهب منه.

لعلها إشارةُ تُوحي بأن الفشل ارتطم مؤخرًا بأيامي دون أن أشعُر، وصوتُ حُريتي أصبح أبكمًا، والحبُ أصبح خارج بلدتي، وصرتُ حاملًا بالشهر الثامن، ووليدي البؤس، وأيامي كعادتها مُرةً لا تحتمل البقاء.

منذ صِغري كنت طفلًا بريئًا، لا يعلم معنى الإرهاق النفسي سوى أن يصعب عليه النوم مُبكرًا، لم تتعالى أصواتُ الخيبة على أذنه، يتأنى بصوتٍ دافيء يُلوح على صدره ويغني له؛ حتى يغوصُ في نومه، تُخيفـني أصوات الطائرات، يحتضننُي صدر أمي وأبتسم كأنني ملكتُ كل شيء بالاقتراب منها، يُداعبني بريقُ المطر، وتُزهلني رائحة الزهور، كنتُ خاليًا، خاليًا تمامًا من كل ذاك الخراب، الذي يسكُن فوق رأسي، ومر العُمر مُسرعًا بعدها، بدون أن يترُك لطفولتي شيئًا يُذكر، ولا صفحاتٍ تحوي أُحجياتٍ أروي بها عطش نفسي حين تندثرُ الحياة بي، فإن لم نلتقِ مجددًا في أيامٍ تخلو من العقبات سنلتقي تحت ظلِ شجرة الباباي، التي اعتدتُ المجىء لها دائمًا.

اطلب برنامج ويبو للمدارس والجامعات اطلب برنامج ويبو للمدارس والجامعات
error: Content is protected !!