ابداعاتقصص

كيف لعاقل أن يتزوج مني؟

✍️الشيماء أحمد عبد اللاه

خرجت مِن المُستشفى، وكُل ما يجول في خاطرها تُرى كيف ستقول لزوجها، وهل سيترُكها، هي تعشقه بالفعل! انعقد لسانها، انتظرت مِنهُ أن يُخبرها أنّه يَمزح، وأن يُخبرها بموعد زفافهم، لكنّها فوجئت بكلمة واحدة، نطقها كالصاعقة على قلبها ( أنت طالق)، لم تَتحمّل الصمود كثيرًا، وقعت مغشيةً عليها.

عودة سريعة لما حدث بالأمس، بعد عَقد قرانها مُباشرةً، أصابها الألم والمرض، واصفرَّ وجهُها، وَذَبُلت، توجّعت، ذهبت إلى الطَبيب لتطمئن، فكانت المُفاجئة أَن أخبرها ( رّحمُكِ يكاد أن ينشق نِصفين، لا أمل في أن تكوني أُمًّا).

أمسكت بهاتِفها، ثم حاولت الاتصال بهِ، وبعد أكثر مِن مُحاولة، أخيرًا أجابها، أخبرتهُ بكُل شيء، فكان ردّه صادمًا لها، قال لَها : (وأنا لَن أستطيع أن أُكمل معكِ.)

عندما أفاقت، وجدت نفسها في المَنزل، وأُمّها تُقبّل رأسها، ظلت تبكي بشدّة، وبحرقة تقول :

تَركني يا أُمي، إنني في أمسّ الحاجة إليه، لِما فعلها!

ترد الأم : لا بأس يا حَبة قلبي، كُلما جاءت خيباتُنا باكرًا، كلما صار ترميمها أسهل لنا، نظَر إلى أسباب الطّب، ولم يَنظُر إلى قوّة الرّب الأعظم، في حسرةٍ تقول:

 هَل كان عليَّ فعلُ شيءٍ يا أُمي؟ 

في ثقة وتسليم لأمر الله، ترد الأم فتقول: لا بُنيَّتي، يَقُولُونَ “هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ”

تردد الفتاة بغصةٍ: وَلكنّي أُحبّهُ، والله أُحبهُ!

تحاول الأم تهدئتها وتقول: واللّٰه يَعلم مَن هو الأصلحُ بِحُبّك، وبقلبَكِ، لا تجزعي.

مرّت الأيام والشهور، بل والسنوات، وتحسَّنت صِحتها، ولكنَّ الحَمل كان مُستحيلًا، كما أخبروها سابقًا، تَقدَّم لَخطبتها شاب ذو خُلقٍ ودين، رفضتهُ خوفًا مِن أن يجرح قَلبها ثانيةً، ولكّنهُ تقدّم مرة أُخرى، فوافقت على الجلوس مَعهُ، قالت لَهُ: لَن أستطيع الإنجاب.

قال لَها : ماذا لو أنَّنا توكّلنا على الله الذي يَمنح، ويَمنع!

قالت بتعجب :لِمَ لا تتزوّج غيري، وَتُنجب ؟

صَمتَ قليلًا

قالت بعنف: كيف لعاقلٍ أن يَتزوّج مِن عاقر، وهو يعلم أنها لَن تُنجب ! 

كان رده عليها ؟

 تقصدين كيف لعاقل أن يأخُذ بأسباب البشر، ويغضُّ طرفَه عَن المُسبِّب ؟ إن كُنتِ تقصدين هذا فالذي أعطي زكريا، وقال له ” هو عليّ هيّن”، سيُعطيني.

وافقت عليه، وتمَّت الخطبة، ثم بعدها الزفاف، وبعد أكثر مِن ثلاثة أعوام حَملت في الطفل الأول، رغم أنه كان مستحيلًا، شعُرت وكأنَّ الدُّنيا قد أشرقت بالربيعِ في عُمرها، في المساء قررت أن تذهب لتُحضر مع زوجها ملابس للطفل، وتقول لَهُ ” أيُّهما أجمل، هذا أم ذاك!

يا تُرى، هل سيكون صبي أم فتاة.

يُشبِهُني أم يُشبِهُك؟ ثم تضحك عاليًا من البهجة.

وتأتي المُصيبة الأولى لَها، لم يَستمر الطفل في رَحمها أكثر مِن ستة أشهُر، ثُم توفى، فقالت لَزوجها بعد أن أفاقت مِن المرض بصوت باكٍ : ألم أقُل لَك؟

ابتسم وقال – ألم يَقُل لكِ مولاكِ ” وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ”.

-برجفة تقول له: هَل ستَترُكني؟

– فيناغشها: نَعم سأترُكك، وَلكِن عند المَوت، وسأعود لألتقي بِكِ مرة أخرى في الجنَّة.

مرَّ عام وحَملت مرَّة أُخرى، كانت هذهِ المرَّة خائفة كثيرًا، فقرَّرت عَدم تَرك الفراش، كانت تُصلي وتنام، وتولّى زوجها خدمتها في هذهِ الفترة، فقد كان يذهب إلى العَمل، ويأتي هو ليُعدّ الطعام، ويُنظّف المَنزل.

يرى في عينها مدى اشتياقها للطفلِ، وحُبّها الشديد لرؤيته، فيزداد تحمُّلًا لأجلها، وَيزداد قوّة بصبرها، ولكِن إرادة الله كانت غير ما توقعوا، وتوفى الطفل في الرّحم مرّة أُخرى.

أُصيبت هذهِ المرّة بنوبة مِن الحُزن، والصمت، فبدأ زوجها يجلس معها ليُصبّرها، مرًّة يقول لَها :

يقول ربك:”وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ. فَاسْتَجَبْنَا لَهُ..”

 وتارة يذكرها بنداء زكريا:”وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ.

ثُم يتسلَّل في الَّليل، ويبكي لله عزّ وجلّ ويطلب مِنهُ أن يُراضيها، قلّ نومه بسبب كثرة قيام الليل لأجلها، وضعف جَسدهِ مِن كثرة البُكاء، وتضرُّعه، وذات يوم وبعد أن قامت مِن فراشها وتحسّنت صحتها، رأت ذاك الضعف الذي حلّ به، فقالت لَهُ بصوتٍ مُتحشرج :

ماذا أصابك؟

– قال لها: كُسر عُكّازي.

– قالت :وأي عُكاز ؟

بنظرة حانية يقول: أنتِ عُكّازي في الدُّنيا، وعندما أصابك الألم لَم أجد مَن أستندُ عليهِ فَكُسرتُ، قُلتِ لي ذات يوم لِمَ لا تتزوّج غيري وَتُنجب؟ أتتذكّرين هذا السؤال ؟

-قالت: نَعم.

إليك الجواب إذًا: لأنَّني أردتُّك، جئتُ لَك أنتِ، لَم أتزوّجك لأجل الإنجاب، أنا تزوّجتك لتشُدِّي أزري، تزوّجتك لأنّي أُحبّك، لو جعلتي الله يَرى صَبرك فقط، لمنّ عليكِ.

-قالت : أنا أصبُر.

– قال لها: وكيفَ للصبرِ أن يكونَ صبرًا، وهو مُقترنٌّ بسوءِ ظنك، اصبري بيقينٍ وبثقةٍ ودُعاء مُضطر، لَقد كان في قَصصهم عِبرة فلِمَ لا تَعتبري ؟ اللّٰه لَم يُخبركِ بكل تلك القصص إلا مِن أجل أن تَصبُري.

مَرّ عامين، وَحملت بالطّفل الثالث، وَلكِن هذهِ المرّة شاء اللّٰه أن يَمحي أسباب الدُّنيا لأجل صَبرها، وَضعت طفلها الأول، وخرجت الطبيبة مِن غُرفة العَمليات، فأراد الزوج أن يطمئنّ على صِحة زوجته وطفله، فسأل الطَبيبة فكان جوابها :

لا أعلمُ كيف حدثَ ذلك، وكَيف حَملت واستمر حَملها، وَكيف أنجبت طفل بصحة جيدة، وَلَم تُنجب طفلٍ واحد، بل أنجبت طفلين، لا أدري كَيف حَملت، وكأن القدر تصدّع لأجلها، ولأجل صَبرها، ودُعائها.

– عيناه تدمع ويقول: هل هي بخير ؟

– بإجابة مطمئنة ترد عليه الطبيبة فتقول: أتظنُّ أنَّ معيّة اللّٰه ستَهجُرها بَعد أن جَبر قَلبها ؟ زوجتك بخير.

وبعد أن أفاقت مِن البنج، رأت أُمها فابتسمت وقالت لَها :

ألم أقُل لَكِ أن اللّٰه أعلم مَن هو الأصلحُ بِحُبّك !

“وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ….”

وها أنتِ أُم لإثنين، وتختم الأم رحلة الكفاح هذه بقول الله تعالى:”إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكم..”

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed
error: Content is protected !!