ابداعاتخواطر

في الشيبِ عِبرة

✍️مشتهى عوض الكريم 

في كِلا القصص والحكايات التي كانت تُقصها عليّ جدتي، كان هنالك الكثير من الحِكم التي كنتُ أتذوقها وألتمِسُها في أحاديثها التي تختتمُها بها كل مرة، أكتبها على دفتري، ثم أخبأها في الخِزانة، فكلما كنتُ أشعر بأنه أصبح من الصعب علي المواصلة، كنتُ أعودُ لها؛ لأجد جوابًا يُخرجني من بُؤرتي، ويُؤنسني في حِيرتي، وكأنها كانت بمثابة الهدية المُغلفة بِالحلول؛ التي كلما حاولتُ فتحها فاح منها عِطرًا اختلق صدري، وشح روحي، فأهرمُ للغوصُ فيها.

كان للحديثِ معها طعمًا آخر، كنتُ ألتمسُ الكلمات الناضجة من بين كل حرف تنطُقه، رغم أنها كبيرة في السن، وأصيبت بالزهايمر، إلا أنها لازالت تحملُ ما خاضتهُ في الحياة، على جانبٍ صغير من قلبها تُخبأه جيدًا، لتقصُه علي في كل ليلة، وكأنها تُخبرني بأن للحياة سحرًا في إقناعي بكل ما فيها، لكن يجب علي الحذر من عقباتها، ربما تكونُ الصفعة مؤلمة جدًا ذات مرة، ولا أستطيع الاستفاقة منها مرةً أخرى.

ككُل الفتيات الراشدات، كنتُ أعيشُ عُمري، أتلاعبُ كالأطفال تحت المطر حتى تتبلل ملابسي، فأعودُ للداخل لأبدلها وأخرج مرةً أخرى، كنتُ أتمايل مع ترانيم مُوسيقى العندليب، وأغوص بين حُروفه فتشُدني لعالمها وأدندن وأنا مُغمضة العينين أتأمل سِحر الكلمات الذي نزل على قلبي وبدت تُخرج أمامي فراشات وردية “شغلوني وشغلو النُوم عن عيني ليالي… ساعة أبكي وساعة يبكي علي حالي”، كالعاشق البعيد كنتُ، أحتضنُ قلبي وأفتقدُ قلب عاشقي، رغم عِلمي بأنه ليس موجود، لم أرهُ يومًا، بل تبناهُ قلبي من كُتب كُنت أقرأها، فأصبح موجود بي، ولا وجود له في الحياة.

رغم أنني كنتُ أغوص في مُخيلتي، أرتسمُ الحياة بداخلي بأشكالٍ غريبة، وأراها في الواقع تختلف عما رسمتهُ لها، إلا أنني شارفتُ بالبقاء عليها، والمشي بين طُرقاتها الباهتة، قاصدة اللجوء لمكانًا ما، ربما لن أجدهُ فيها، عالمة أنها حياة لا نطُول بها أحياء، مؤقتين فيها وهي مؤقتة.

مُقدرًا الاعتياد لنا، واعلمُ أنها أقدارً تُكتب لنا ونمشي خلف خُطاها بحذر، حتى نخوض فيها ما يجبُ علينا خوضُه، نُقابل بشر، ونُغادر عنهم، نبكي ونضحك، نتألم ونسعد، نحلُم وتموتُ أحلامنا قبل أن تتحقق، أتذكر أنه كان حُلمي الوحيد منذ صِغري، أن أصبِح طبيبة، إلا أنها الحياة لا تُعطينا ما نرغبُ به أحيانًا، ليس لأننا لا نستحق بل لأنه كُتب علينا أن نكون في أماكن أخرى، لم نعلم بها من قبل، تركت لي جدتي اليقين والرِضا بما كُتب على أقداري، جعلتني فتاة مُتقبلة لكل ما يحدث حولها، حتى وإن كان مُنافي لرغباتِها.

فكلها أشياء تُصاحبنا منذ ولادتنا ومشاعرًا لا نستطيع التخلي عنها، ومباديء يصعبُ علينا التخلص منها، لذا كان لجدتي مكانةً كبيرة بداخلي، وضعتها بيدِها وغادرت.

أتذكرُ جيدً حديثنا الأخير قبل رحِيلها حيث قالت لي: 

“حفيدتي الغالية للحياة وجهان وجهُ نراهُ نحن ووجهُ لا يراهُ إلا الله، فلا تنظري لها كما تريدين وتنسي رؤية الله لها، ورؤيته لكِ، فأنتي وأنا وكلنا مخلوقين فلا بد أن نجعل حياتنا كلها للخالق، أحِبي الله وسيُحبِكِ أضعاف، ويفتح لكِ أبواب السعادة يا بُنيتي”.

لطالما كانت تُذكرني بالله وحُبه، زرعت الإيمان بقلبي في صِغري، جعلتني أبحثُ عن رضاهُ عني، ورغم قِلة استيعابي لكلماتها أحيانًا، إلا أنها ولدت بداخلي الكثير، وجعلت مني فتاةً مُسلمة، نقية من أول عُمرها، رحمها الله وجعل لها مكانةً في بيته.

اطلب برنامج ويبو للمدارس والجامعات اطلب برنامج ويبو للمدارس والجامعات
error: Content is protected !!