ابداعاتقصص

فستان باللون الأحمر

بقلم/ الشيماء أحمد عبد اللاه 

دق جرس هاتفي مُظهرًا اسم صديقتي (تمارا)، أجبت على اتصالها بشوقٍ، وحب، أخبرتني أنها تود رؤيتي، فلقد اشتاقت لمزاحنا، ومنذ سنة كاملة لم نتقابل، وافقتُ في الحال، وبادلتها أنني اشتقت لها أيضًا، اتفقنا سنتقابل يوم الخميس، الموافق السابع من أكتوبر، الساعة الثامنة مساءً في إحدى المطاعم التي نحبها.

مر الأسبوع سريعًا وحان وقت الموعد، تألقتُ كعادتي بفستانٍ باللون الأحمر، فإنه لوني المفضل، ارتديتُ خماري، وذهبت للمطعم أنتظرها هناك، مرت نصف ساعةٍ، وحاولت الإتصال بها مرارًا، وتكرارًا، لم تجب على اتصالاتي، من المتعارف عليه وسط أصدقائي أنني شخصية لا أُطيق الإنتظار كثيرًا، مواعيدي منضبطة، فلقد شعرتُ بالضجر من الجلوس بمفردي، وعند حلول التاسعة لم أستطع الانتظار أكثر، ولكن قبل رحيلي، قلتُ في نفسي، سأتصل بها لآخر مرة، وبالفعل ضغطت على زر الإتصال، وفُتح الخط، أجبت في لهفة أين أنتِ؟ لما كل هذا التأخير؟ سمعت فقط صوت أنفاسٍ مضطربة، متقطعة وكأنها تختنق، وأصوات سيارات إسعاف..

بنبرة حانية، باكية، يملؤها الخوف والرجاء، قلت لها ما بك يا تمارا ؟ دموعي بدأت تنهمر، وأنا لا أستطيع فعل شيء، الخط مفتوح، صوت أنفاسها يقتلني، وفجأة انقطع الخط……….

حاولت مرات عدة الإتصال، لكن الهاتف أُغلق، لا أعلم رقم هواتف أخرى لها، أو لعائلتها، لكني تذكرت عنوان بيتها، هممت بالذهاب مسرعة إلى دارها، وحينما اقتربت من المنزل، وجدتُ سيارات الإسعاف في منطقتها، سألت بلهفة ماذا هناك ؟ أخبروني أنه تم قصف المنطقة بأكملها، لا توجد فرصة واحدة؛ لنجاة أحد إن كان على قيد الحياة…

جثوت على الأرض بصراخي، ودموعي لا تتوقف، أنادي باسمها فقط(تمارا)، (تمارا…)، وبعدها لم أشعر بنفسي إلا وأنا في منزلي بجوار عائلتي، كانت حالتي يُرثى لها، لا طعام، لا شراب، فقط بكاء، وعويل، كان هناك جزءا في قلبي يخبرني بأنها لم تمت، أن كل هذا مجرد حلم فقط، لكني كنت هناك، ورأيت بعيني كل شيء، لا فرصة للنجاة لأحد، الجميع قد رحلوا للأبد.

بدأت أتعافى شيئًا فشيئًا، لكن هناك غصة في قلبي، وألم يعتريني سيظل عالقًا بقلبي مهما مر الزمن، قطع دموعي اتصال من رقم غريب، قمت بالرد عليه أخبرني هل أنت الشيماء أحمد ؟ فأجبت بتعجب: نعم! 

قال: هناك جوابًا مرسل إليك يحمل اسمك، وعنوانك.

قلت: من أرسل الجواب؟

قال: المرسل (تمارا).

دق قلبي فرحًا، ثم ما لبث أن حزن مجددًا، فهي ماتت.

قمت باستلام الجواب، وأنا في حالة تعب وإعياء شديد.

محتوى الجواب:

( أولًا: ملطخٌ بالدماء، ثانيًا: مكتوب في يمينه من الشهيدة تمارا، ثالثًا: قبل أن تقرأيه لا تنسيني من الدعاء)

المكتوب في الجواب:

(لقد شعرتُ عزيزتي أن يوم الشهادة قريب، لذلك كتبت رسالة تحمل ما تبقي مني من قوة، إذا وصلتك الرسالة، وهي بين يديك الآن، اعلمي أنني في الجنة منعمة، أتعلمين يا شيماء لما أكتب لك؟ أعلم أنك منزعجة مني لأنني تأخرتُ عنك، لكني والله كنت أحتضر حينها؟ كتبت لك هذا الجواب وأنا في سكرات الموت؟ لا أحد بجواري لا أبي، ولا أمي، ولا أختي، ولا منزلي، اختفى الجميع فجأة، كنت أظننا سنلعب الغميضة، ثم نظهر، ونضحك لبعضنا، لكنها لم تكن لعبة مؤقتة! اختفوا للأبد، أصبت برصاصة في قدمي، وأخرى في يدي اليمنى جعلتها مشلولة، صحيح أعتذر لك عن بشاعة خطي، فلقد كتبته بيدي اليسرى، أتعرفين شيماء! كنت أتزين وأرتدي فستانًا مماثلًا لفستانك الأحمر، كنت على يقين أنك سترتديه، أعلم عشقك لهذا اللون، كنت فرحة لأنني سألقاكِ، بادلت أمي إبتسامة، وما إن هممت بالخروج، لم أشعر بجسدي إلا وهو تحت أنقاض بيتنا؟ أتوجع، أتألم، صرخت بأعلى صوت، لكن ومن سيسمعني، وجدتُ دفترًا، وقلمًا، لم أكتب استغاثة لأحد ليأتيني، ولم أطلب شيئًا، الوقت يمر سريعًا بي، وأنا على يقين أنها نهايتي، لم يأت أحد في خاطري غيرك، كتبت وكلي أمل أن تأتيك رسالتي، أحبك يا شيماء، كثيرًا كنت فظة معك، أجادلك، أناوشك، لكنني لم أجد مثل قلبك، تحدثت عنك في إحدى الجلسات بسوء، كنت منزعجة منك، أرجوك سامحيني، أبكيتُك بدلًا من المرة ألف، فلتغفريها لي، موعدنا في الجنة عزيزتي، سأنتظرك بفستاني أحمر اللون هناك، وداعًا صديقتي…….)

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed
error: Content is protected !!