ابداعاتقصص

فِعلةُ السائق.

الشيماء أحمد عبد اللاه

الجو كان حارًا كعادته، استيقظتُ في العاشرة صباحًا مسرعة إلى موعدي المحدد لي في إحدى المصالح الحكومية، وما أدراك عزيزي القارئ من الذهاب لهذه الأماكن المكتظةُ بالناس، والمليئة بالألفاظ السيئة التي لا أُحب سماعها، أعلن السائق إمتلاء عربته، وبدأ في التحرك، حيث المكان الذي أبتغيه لا يزيد الوصول إليه أكثر من نصف ساعة، كان السائق شديدُ اللهجة، متعصبًا، مزاجه أتوقع أنه على غير عادته، كان يُهفهفُ طوال طريقه من زحمة الطرق.

جميع من يركبون السيارة على استعجال من أمرهم، من ذاهبٌ لعمله، وآخرٌ ذاهب للطبيب، وآخرون لم يفصحوا عن سبب استعجالهم، لكنهم في نهاية المطاف على عُجالة، إلا سيدة واحدة عجوز، قالت للسائق بكلمات حانية:( أسرع بُني لدي موعد؛ لأغسل الكُلى..)

صمتٌ حل على جميع الركُاب منهم أنا، ثم فجأة نطق الجميع في صوت واحد، أسرع لأجلها، وكأنهم نسوا عُجالتهم، أدهشني رقة قلوبهم، رغم زمجرتهم في بادئ الأمر، لكن المواقف دائمًا تـظهر المعادن.

وصل السائق إلى المكان الذي تريده العجوز، ترجلت من السيارة، وإذا بالسائق فجأة يترجل من السيارة، ويتركنا جميعًا، صاح البعض أين ذاهبٌ أنت؟ وآخرون رددوا يا له من يوم سيئ من بدايته، وحدث ما جعلهم جميعًا ينظرون بترقب، وتعجّب.

( السائق ممسكًا يد العجوز، يحاول أن يعبر معها للطريق الآخر، موصلًا إياها للمشفى التي تريدها، قبّل رأسها، أعطاها مبلغًا من المال في يدها، انتظرها حتى تدخل للغرفة التي تريدها، جاء لسيارته، الرُكاب في حالة صدمة مما رأوا، وكأن على رؤوسهم الطير، تلعثم أحدهم وقال: بارك الله فيك يا بُني، أنت أحسن من قابلت، وأحسن صباح أبتدئ به يومي صباحك الطيب، ثم تشجع أحدهم وقال بنبرة حانية: ليت ولدي يفعل معي فعلتك هذه، ثم دمعت عيناه، وسيدة أخرى قالت: لن تنسى لك العجوز هذا المعروف أبدًا، لقد حظيت بأثمن شيء في الحياة، وهي دعوتها، وكفى بها في يومك كله، فرح السائق من كلام الجميع، ورد عليهم قائلًا: (ما فعلته كان أمرًا عاديًا، لكنكم جهلتموه في يومكم، حتى أصبح أمرًا غير مألوفٍ، مدحتموني عليه، الخير في أمة محمد إلى يوم الدين، وصلنا للمحطة، وانتهى يومي معكم، طاب يومكم….)

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed
error: Content is protected !!