ابداعاتقصص

بني البشر

محمد الشحات

يتيم، سياف، ظلام، موت، بشع، قزم، شهوة،
القرن الرابع، مدينة مندثرة بين مخالب ملوك _ضاجع الشيطان أرواحهم_ جثث تناثرت أحشاؤها، تتسابق الغربان في اقتلاع عيونها، يتيم بين أحضان والده يهديه دمية، دمية من أحشائه، الدماء ممزوجة كأنها أمطار هربت كطفل يلتقي بدمياه، يجري بسرعة؛ ليحتضن تلك الدمية، غبار يرتفع، رماح في نحور أجساد، فتيات نزفت دم موتهن بدلًا عن حيضهن، أعناق ملقاة، رؤوس و جماجم محطمة، أيادي محترقة، اختلط الدماء بالخبز.

كأنني أبحث عن كهف ظلام، وجدته بالفعل، أخذت أنطق ظلام، ظلام، أنطقها وأنا أخبط بالأرض بابتهاج كأن الأرض ستفتح لي عن كنوزها، كأني أرى على امتداد بصري، ملكًا طامعًا بات جثةً، يطعمه العدو الذهب في جوفه، “كل أيها الداعر،أمن أجل شهوة وبريق ذهب أرسلت المطر إلى شعبك في صورة دماء! الطفل الذي جف حليب صدر أمه من الجوع، جاء انتقامه الآن”.

يتيم، ظلام، سياف، شهوة، موت، أخذت أردد الكلام بصوت عالي؛ حصان بجناحين أبيض اللون، أشبه بملاك، نزل مسرعًا إليّ احتضنني فجأة، فقدت الوعي، العصور الوسطى، ممالك ما وراء الظلام، ثري يشتري أجساد الفقيرات، أطفال كعبيد تخفض أقدامها؛ ليصعد على ظهورها علية القوم، هيهات هيهات، أطفال كالماشية، ونساء فقيرات كآلة للجنس، مسن تجعدت ملامحه، ابيضت لحيته الرمادية الواصلة لكتفه، انحنى ظهره، سألته يا عماه، من أنتم؟ خذ تلك الورقة يا فتى، واكتب نحن بني البشر.

البشر! أي نوع من المخلوقات هم، رددتها باندهاش وتشوق لمعرفة حقيقتهم المخيفة،وأنا غارقًا في غربتي، أعطاني هذا العجوز المثير للشفقة لبنًا، التهمته بشدة من العطش، الحليب في جوفي كبركان يحرق الفؤاد، أنفاسي تخرج مني ببطء، أرى روحي تخرج أمامي؛ فقدت الوعي.

امرأة جميلة، لا أستطيع النظر إليها من شدة بريق لونها، يسيل من لعابها عسلًا لم أراه من قبل، رائحتها كمخدر؛ تجعلك تسير وراها ببطء، مشيت وراءها بدون وعي؛ متلذذًا برائحتها المخدرة لكل شيء، لم أعلم كم السنين التي مرت وأنا ورائها، جسد ملتهب، عسل كأنه قطرات من الماس، رائحة استنشاقها؛ تجعل شفتاك تبتسم كأنك أبله لا محالة، ما ظلت أسير وراء تلك المرأة، مرآة معي، أنظر إليها إذا أنا طفل، مرت أعوام وما زلت أسير، إذا أنا شاب، رجل، عجوز، عجوز ! يا ويلتاه، المرآة، ظهرت ملامح العجوز أمامي في ذات المرآة، صرخت متخبطًا العجوز هو أنا ، اللبن…، السحر! الموت!

الجميلة تلك أدارت وجهها إليّ، يا ويلتاه، ما أنفر وجهها! ما أنتن رائحتها، بصوت مخيف تقشعر منه الجلد على العظام: “اشرب أيها الأحمق، لبن بسحر دموي من أرواح الجن السفلي ؛ الفؤاد، احترقت روحي، أذيب اللحم من عظمي؛ الموت، الموت

قزم بغيض ملمحه، أمام ديجور، عين دامعة، خنجر بغيض على نحره، طعن جسده ألف طعنةً، اختلط الظلام بدمه…

من قزم بغيض و سياف أباه الموت، امرأة ساحرة، رجل عجوز، يتيم، جميعهم كتبوا رسالةً، الكل أراد أن أسرع في كتابة رسالتي،
من قزم ضعيف لا محالة له، إلى من، لست أدري! أردت فقط أن أحيا مثلكم، أردت أن أبتسم، أن أتناول حلوى الهيام ناظرًا لذات البحر المظلم، أردت فقط أن يداعب الهواء روحي ولكن، لم أعلم أنني سأجعل من هذا البحر قبرًا، ومن هذا الماء كفنًا، ألف طعنة! أي حال يؤدي إلى كراهية النفس كذلك؟ المتهم بني البشر، من هم، يا ويلتاه من هم.

امرأة جميلة، وحش أضاع العمر، كانت الموت، كانت الشهوة، كانت الخمر..، لتكن كما تشاء، ولكنها عدو بني البشر، عدو آخذ للأرواح، يا ويلت بني البشر، ولكن من هم! أجيبوني من هم؟
جثة ملك يأكل الذهب، لأراد الذهب أن يبتعد نافرًا من رائحته النتنة، أراد أن يخبر بني البشر، أنهم حمقى لا محالة.

القرن الواحد والعشرين، أنا بني البشر، اللبن أمامي، والعجوز بجواري، وقطعة من الذهب أمامي، والمرأة في فراشي، جريت كالمجنون الموت يكتب رسالته، الموت يكتب رسالته.

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed
error: Content is protected !!