مقالات

( أتباع الشيطان) نظرة عن قرب فى ( قصة اليهود ) ٣

بقلم / محمد علي الأخرس

قد توقفنا في الحلقة السابقة إلى أي مدى كانت الدول الأوربية تلفظ الوجود اليهودي داخل مجتمعاتها لفظًا، جراء عقيدتهم التي وضعها حاخامات اليهود، والتي باعتناقها يكون العداء للآخر من غير بني جنسهم، فدفعوا الثمن غاليًا، وكما قلنا كانت محطة اليهود في روسيا القيصرية هي الأهم والأبرز، إذ تعرض اليهود فيها للاضطهاد والمذابح والنفي والتشريد جراء مسلكهم الخبيث، وتمزيقهم لمحيطهم الاجتماعي حولهم، فقاعدة البقاء في العقيدة اليهودية قائمة على القضاء علي الآخر وتدميره، حتى أتت الحادثة التي أثرت على حركة سيرهم فى التاريخ، فإذا بنا نقف على تلك المذبحة الرهيبة التى حلت باليهود في روسيا القيصيرة 1882م، فكانت الشرارة التي أشعلت اليقظة الصهيونية من جديد، بعد أن اختفت من أذهان اليهود على مدار قرون .

من هنا عاد الإدراك اليهودي لمراحله الأولى، أنه لن يستقيم لهم عيش، ولن يستطيعوا البقاء طويلًا في معاناة متكررة جراء طباعهم التي لا خلاص منها، ثم أتى الشعور بالعودة لما كانوا يعتقدون قديمًا، ولكن فى ثوب جديد فيما يُعرف بالحركة الصهيونية الجديدة .. والمتأمل لبعث الصهيونية فى حركتها الحديثة، يجد مكانًا محددًا قد انطلقت منه (روسيا القيصرية) ذلك أن اليهود هناك تعرضوا لضربة قاتلة، لم يروا لها مثيلًا في تاريخهم من قبل، فقد شهد عام 1882م، مذابح بشعة فى أنحاء روسيا لليهود، وبدل أن يعي اليهود الدرس ويقفوا على الأسباب ولو لمرة واحدة، فيقلعوا عن طباعهم الخبيثة تجاه الشعوب، راحوا يعمقون الفجوة أكثر بينهم وبين الآخرين، حين حدث لهم نزوع داخلي جعلهم يحيون بعث صهيونيتهم فهي كما يظنون خلاصهم .

فظهر أول داعية للصهيونية الجديدة، اليهودي (سيمحا بينكر) 1880م وواصل الليل بالنهار، يدعو اليهود للصهيونية ويذكرهم بأنه لا تصح يهوديتهم من دون العودة لأرض الميعاد، وأن هجرة اليهود إلى فلسطين لهي من ركائز العقيدة اليهودية .. وفي غفلة من الروس استطاع (سيمحا بينكر) بعد جهد جهيد من تكوين جمعية سرية، كانت اللبنة الأولى للصهيونية المعاصرة (جمعية عشاق صهيون). وهنا يقول وايزمان فى مذكراته : ( إن الحركة الصهيونية فى حقيقتها وجوهرها نشأت فى روسيا وإن يهود روسيا كانوا العمود الفقري للكيان اليهودي في فلسطين منذ قيام الحركة ) .

فاضطهاد اليهود في روسيا كان محركًا رئيسيًا لهجرة اليهود، فهي ليست هجرة عشوائية، وإنما مستمدة من عقيدة العودة لأرض الميعاد في الفكر اليهودي، وفق نبوءة توراتية ولكن تطبيقها يتم بخطط مرحلية متدرجة يكتمل فيها سحب يهود العالم كله، لإقامة دولة إسرائيل هناك في فلسطين، أرض الأجداد كما يزعمون .

أخذ اليهود يتسللون من روسيا ، واتجه أكثرهم إلى الولايات المتحدة، وأراد بعضهم الاتجاه إلى فلسطين، ولكن الحكومة التركية أصدرت قانونًا يحرم على اليهود دخول فلسطين، وفى الوقت نفسه منعت حكومة القيصر فى روسيا الدعوة للهجرة، وعلى الرغم من كل ذلك استطاع نفر قليل من الشبان أن يصلوا إلى فلسطين سنة 1882م ، حيث أنشأوا أولى المستعمرات الزراعية بالقرب من (يافا) وأطلقوا عليها اسم ( ريشون ليزيون ) أى الأولون فى صهيون، ويسميها (بن جوريون) – الهجرة الأولى – أما الهجرة الثانية فقد كانت نتيجة الثورة الروسية التى قامت سنة 1905م، وقد تمكن القيصر من القضاء عليها، حيث كان اليهود يؤيدون ثوار تلك الثورة التي أحبطها القيصر، فلما فرغ القيصر من الثوار، استدار ناحية اليهود وعاقبهم عقابًا قاسيًا، فحدث من جراء ذلك لهم أن كانت الهجرة الثانية لليهود من روسيا وكان الزعيم الصهيوني (بن جوريون) ضمن هذه الموجة .

بمرور الأيام تسامع اليهود في أنحاء العالم بهذا النداء، الذي يسري دونما تنبه من الأوطان التي يحلون فيها،فبدت بوادر هجرات محدودة لليهود، فى شكل طلائع متجهة إلى فلسطين،من الدول المختلفة بأوروبا وبخاصة رومانيا حيث كان اليهود يُعدُّون أندادًا للخارجين على القانون وتبعا لهذه الهجرات أُنشئت عدة مستعمرات فى مناطق – جودا ، والخليل ، والسامرية – وقد تعرضت المستعمرات الصهيونية إلى كثير من الكساد، وأوشكت على الإنهيار لولا المساعدات الضخمة التى قدمها أثرياء اليهود، وبخاصة البارون أدمون دي روتشيلد فى 1891م.

استشرت حمى إنشاء الجمعيات السرية لليهود في بلدان أوروبا على غرار (جمعية عشاق صهيون في روسيا) وكأنما عثر يهود العالم على طوق النجاة ممثلًا في نداء الدعوة للصهيونية لا تقف عند حدود أرض،الكل مدعو إلى الهجرة لأرض الميعاد فلسطين – فمن لم يتمكن فليتربص الفرصة،ومن لا يستطيع ترك مكانه ومعه مال فليدعم تلك الجمعيات التى حشدت طاقاتها من أجل ذلك ..
وخطا اليهود خطوة جادة في هذا الطريق،بيد أنها خطوة تفتقر للتنظيم العالمي الموحد، وكذا تفتقر للزعيم الأوحد الذي يلتف حوله يهود العالم ويتحدث نيابة عنهم .

وسرعان ما أتت الأيام لهم بهذا الزعيم الصحفي النمساوي اليهودي (تيودور هرتزل) الذي يُعد الأب الروحي للصهيونية الجديدة، بما تميز به من عمق فكري يستطيع من خلاله صياغة منهج الصهيونية الحديثة .. فعمل هرتزل على صياغة هذا المنهج وبدقة، حين ألف كتابه (الدولة اليهودية) الذى نشره عام 1895م، وفيه لم يحدد في خطوته الأولى – أرض فلسطين بعينها – وكانت تلك من حنكته السياسية فهو لا يريد أن يصطدم بالعوائق في أولى طلعاته، اكتفى في خطوته الأولى تلك، بالدعوة لتجميع يهود العالم فى مكان ما من الأرض ليقيموا عليها دولة التوراة، عن ذلك يقول: (يكفى أن يعطونا أية قطعة من الأرض تتناسب وحاجات شعبنا، وتكون لنا السيادة عليها، فإن هدفنا ليس هو الأرض المقدسة، بل أية قطعة من الأرض تخصص لنا )

ترك هرتزل هذه الخطوة الأولى – الدعوة لتجميع اليهود فى مكان محدد – تركها تحدث تداعيتها على الأرض، ومرت الأيام وبدا التسلل التدريجي نحو الهدف الكبير والحلم الذي طالما حلم به بنو إسرائيل، كلما تعرضوا للاضطهاد والتشريد، الهجرة إلى – أرض الميعاد فلسطين – وتحسس هرتزل مواضع قدمه فوجد فى عام 1897م، أوضاعًا دولية يمكنها تقبل هذا النداء العالمي، بل إنه رأى جهات لها ثقل في أوروبا ترحب بهكذا نداء، لأغراض نفعية بحتة، على رأسها التخلص منهم واقتلاعهم من أوروبا .

كونوا معنا في هذه السلسلة الهامة لمعرفة المزيد عن تاريخ وحاضر هذا الصراع الذي يستهدف هويتنا …..

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed
error: Content is protected !!