ابداعاتخواطر

البغيضة المحبوبة

مصعب مفضل 

 

سعيًا في سبيل تحقيق مطلب قد تسامت إليه النفوس، فمنذ القِدَم وقد تطاول مبتغى كثيرٌ من الناسِ بحثيثِ اجتهادٍ وبذلِ جُهدٍ لبلوغ غايةٍ وكأنها فوق الثريا. 

 

خَلقَ الله الناسَ وقَد جُبِلوا على حُبِ ذلك اللمعان، وقَد سَعَوّ اليه بِكُلِّ السُبل، وإن كان على دِماءٍ وجُثثٍ، سَعَوّ إليه مُخلفين يتامى وأرامِل. 

 

إني اقصدها وأعنيها، نعم.. إنها تِلك البغيضةُ المحبوبة.. 

إنها السُلطة..

سعى إليها الإنسان منذ بداية عهده بالحياةِ والوجود، فبدأ بها قابيلُ فقتلَ أخاه هابيلَ، أخاه الذي قد وُلِدا و ترعرعا سويًا، قتله حبًا في مكانته وطمعًا فيها. 

 

وقد افتتن بها الناس من بعد، وابتلى اللهُ بها العالمينَ ليعلم من يقوم بحقها – وهو العليم الخبير-، فابتلى بها نبيه “سليمان بن داوود”- عليهما السلام – فأعانه الله في أمره؛ كما منَّ بها الله وبفضلها وإيتائها حقها لأبيه “داوود” – عليه السلام- من قبل.

 

ومَثَلٌ على مَن إبتلاه الله بها، فضيعها واحبها لذاتها وسعى إلى تَملُكها لما فيها من لذة ومِنعَة، “الفرعون” الذي أضلته سلطته، وتعلقه وحبه لها، والتي دعته للإبتداع و الافتراء كَذبًا وبهتاناً بأنه ربُّ البريةِ وخالقُها، فله عليها حق الطاعةِ والعبادة والولاء، فكانت عليه بالوبال وخُسران الثواب، ورؤية العذاب والعقاب. 

 

وكان في السلف الطيب الطاهر الصالح من سُميّ” الفاروق”، ألا وهو صاحب رسول الله ووالد زوجه أم المؤمنين “حفصة”، إنه “عُمر بن الخطاب” – رضي الله عنه – قد كان مثلًا لمن يجاهد نفسه لأداءِ حقوقِ البريةِ وقد روّض نفسه وسلطته، فكانت خيرًا للناس و غيثًا بفضل الله عليهم. 

 

فتلك الأمثال قد خلت من قبل وهي عِبرةٌ لما بعدها من العالمين، فمن أتاها فلا مفر له إلا أن يَتّبع احد الفريقين وأن يسير مع إحدى الطائفتين. 

 

ولا يَصمُّ أُذُنَيّ أحدٍ هذه الأيام إلا وقد سَمِعَ بِدويٍّ سلاحٍ، ووفاة أحدهم، ونزاعٌ قد تناشبت نيرانه، وازدادت حرارته وتدفقت منه انهارُ الدماء القانية، فالجثث في كل مكان، وما مِن بيتٍ إلا وقد ارتفع نحيبه لفقدان عزيزٍ أو صديقٍ أو قريب، ولا يكاد يخلو بيّتٌ من أحد هذه الأسباب إلا وارتفع صُراخٌ منه مَخافةَ أن يحلّ بهم ما حلّ بِمَن سبقهم وبما ارتطمت مسامعهم به من اخبار غَرسَت الخوف وهزّت أركان الأمان والطمأنينة فيهم. 

 

ولا نقول إلا ما يرضي الله، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا سبيل الا التضرع إلى الله واتقاءه في كل أمر، لعل المرء منّا يؤوب إليه بِحُسنِ خاتمة.

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed
error: Content is protected !!