ابداعاتقصص

الغراب

محمد الشحات

أُصبت بالضجر وأنا أراقب عقارب الساعة، تسير ببطء كأن كل عقرب منها أعزوفةً كأوراق شجر متساقط يصدر حفيفًا مع رياح ليلة مظلمة، يقبل نجمها القمر، عقارب أصواتها مزعجة، حفيف أوراق متساقطة، ارتطام قطرات المطر بالأرض، الجو أشبه بعالم مخيف، أتعلم شعور تلك الضحية البائسة حين تكون بين أنياب مغتصبها؟ ينتابني أنا أيضًا هذا الشعور، خوف مع استسلام تام.

الليلة الأربعون على التوالي، أُصيب بالأرق، أهرب أنا من كوابيس مضجعي، غراب بثلاث عيون في مقدمة رأسه دماء تسيل، يناديني بعين غاضبة، أرى في بؤرة عينه جثتي، أراها شديدة الظلام، يخرج من جوفي دخان كريه الرائحة، الدماء تلطخ كل بقعة في جسدي، ما زال صوت الغراب يعزف على طبلة أذني:” عشقتك الروح المظلمة، استجب لها، عش في ثنايا ضلوعها، تبق لك من الزمان أربعة أيام”.

أربعة أيام مروا عليّ كالعقود، كأني عشت في شتاء بارد طال ظلامه، ويلتي! ويلتي! الليلة الموعودة، حدثت نفسي أتؤمن بتلك الخرافات؟ بالتأكيد لا، أجبت نفسي وأنا أنتفض من الخوف، ما زلت أتابع عقارب الساعة تلك، صوتها كأسد يزأر، دقائق تعدو، وساعات، الظلام الدامس أعلن عن حضرة منتصف الليل، أي غراب ثلاثي الأعين سيظهر! صحت بصوت جهوري يخالطه الرهبة: أين أنت أيها الأسود، أين أنت يا ثلاثي العين؟

لم يظهر، قهقهت عاليًا، لا غراب، لا عين ثلاثية، كأن القدر حكم عليّ بالحرمان من الابتسامة، غراب لم أرى مثله من قبل، بجناحين أحمرين، له أنياب كالسباع، ثلاث عيون بين الزرقة والاحمرار، لم أستطع رؤية باقي ملامحه، تحدث فجأة: “أنت المختار”، غراب بصوت بشري! وقتها خفق قلبي؛ لتتراجع دقاته، توقف قلبي عن النبض؛ وقعت مغشيًا عليّ.

لم أعلم كم المدة التي أفقت بعدها، لا أعرف أين أنا، غربان في كل مكان تنعق، ريش ممزوج بالدم يصافح أرضية المكان، مكبلًا أنا بالسلاسل، صوت لا أعرف مصدره ينادي: “لبي النداء”، لم أعهد هذا الصوت، ليس صوت بشري بالتأكيد، ريش ممزوج بالدم يتحركك، يلامس جسدي بعنف، يثقب رأسي، أشعر أن رأسي آلة يتحكم فيها هذا الريش، بدأ الريش يتطاير في موجات، موجات تعلو، وتعلو، خرج من رأسي وجه بشري أحمر اللون، مصحوب بجناحين أبيضين، صدى صوت ينادي من عقلي فقط حان الآن لتلبية النداء.

يتبع…

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed
error: Content is protected !!