ابداعاتخواطر

قوقعة اللاشعور

✍️ مشتهى عوض الكريم 

في زمان حائر، زمان لا يخلو من خفقات قلبي المُستمرة، وجشع الواقع المكلوم، كان للأحداث الحق الكامل في التخلص من السعادة، كنت أنا مصدرًا للوحدة، أحد الملايين من البشر الذين يعانون منها بكثرة، النصيب الأكبر منها لي والباقي تقاسمه العالم بالتساوي، إنها مرضُ مُعدِ لا علاج له، لم أكن أكف عن عاديتي المُفرطة أمام الجميع، بل كنت كالفراشة يُدهش بريقها وتسلسلات ألوانها كل البشر، يعلمون بأنها جميلة، ولا يعلمون بأن خلف الجمال يختبىء سوادٌ حالك، زُبول يختبيء خلف أوراقها المُتدرجة، إذا خرج لجعل البلدة بأكملها تبكي، وتطلب النجاة إثر عاصفة قوية، مرت لوهلة ودمرت منازلهم، ثم شارفت للقضاء عليهم.

 

أصبح كل شيء بعدها رماد؛ كنت كالأطفال أتلاعب تحت ظِل شجرة اليقطين، أضحك بلا سعادة، أبكي بلا شُعور، كنت أفتقد كل شيء عدا الحُزن، لقد كان رفيقي الودود الذي لا أشقى في رفقته، وكنتُ أنا الصديق البار له، الذي يرفض الابتعاد عنه.

 

يقولُ لي صديقُ قديم في صغري أنني مُثيرٌ للشفقة، وبداخلي برطمانٌ من الكآبة، يُوزع بعناية لبؤساء البلدة، ومن يكن له نصيب منه، يُسجن بِجُحره ويأبى الخُروج منه.

لكنني لم أدرك ما قاله عني في ذاك الوقت، أدركته الآن بعد أن تجاوزت العشرين من عمري_بعد أن أصبحت ناضجًا تمامًا-، تذكرت أنه قال: «أن الرؤية توضح حينما نجتاز هذا السن تحديدًا» لكنني ينقصني كل شيء، لم أجد يومًا من يُربت على كتفي بيديه، لم أجد من يخبرني أنني أستحق البقاء على دائرة الوجود.

 

وأنا الذي منذ ولادتي تعلمتُ معنى العدم، أليس من المؤسف أن نتعرف على الضِد من الكلمات، قبل أن نتعرف عليها مباشرة!

إنها مُجرد دعابة، أُسلي بها نفسي حين أشعر بالاستياء ممن حولي، وأقول أنني نلتُ ما لم ينلهُ أحد، طبقًا شهيًا من الألم، مع جُرعات من كوكايين الوجع، يخرجُ بعدها مُتسولًا بين طُرقات المدينة، يشحدُ السعادة، ويلتقط من المارة ابتسامة ساخِرة، كردة فعل لما يطلبهُ منهم.

 

لطالما كان لي رؤية مُختلفة في كل شيء، كنت أبحث عن الحقيقة بين كل حدث وآخر، ليس الحقيقة الفعلية، بل الحقيقة التي ولدتها مُخيلتي مؤخرًا، من تجارب لربما لم أخوضها بعد، بل وُلدت بها، قد تكون النفثة الأولى التي نفثتها بي أمي وأنا على رِحمها، مُجرد نُطفة، شيءٌ لا يغوى على الحِراك أو التنفس، وإنما يغوى الرؤية من بعيد، بأجهزة طبية لا تفشل في إظهار ما بأعماق بطن الحوامِل، لكنها أحيانًا تفشل في تفسير ما يدور بداخل ذاك الكائن الذي يتكون يومًا بعد يوم، أهو راضٍ عن خروجه للعالم أم لا؟

 

هذا هو الخطأ الذي يُرتكب بدون مغفرة، ألا يكون لنا حقٌ في أن نُقرر وجودنا.

لقد توقف العداد في ذاك الوقت، وبدوت وكأنني أخشى الخُروج للعالم، أخشى مواجهته بيدين صغيرتين وجسدُ نحيل كجسد الفأر الصغير الذي يلعب به أطفال الحيّ، وأنا لا أقوى إلا على البكاء على فقدان لُعبتي الصغيرة، والاختباء في جُحري مثله تمامًا.

 

قد قيل لي في رحلتي نحو الخيال « أن كل شيء يُصبح سيء إن تجاوز عقلك، كُف عن كونك تستطيع فعل كل شيء، خارج مُخيلتك، هذه مُجرد خُرافة فحسب، قواك لا تحتمل كل هذا »

أيقنت أنني كزهرة الزنبق السوداء، أُلفتُ كل من حولي، ولا يستطيع أحد الاقتراب مني، لأنني محاوطةٌ بالأشواك، وإن اقتربت مني، أصبتك بِجروح لربما لا تلتئم مرة أخرى.

اطلب برنامج ويبو للمدارس والجامعات اطلب برنامج ويبو للمدارس والجامعات
error: Content is protected !!