ابداعاتخواطر

نداءات خفية «1»

 

✍️مشتهى عوض الكريم 

 

كنتُ أختبيء خلف أوراق الشجر في ليلة قمرية، حيث الناس نِيام، ولا شيء مُستيقظ سوى الذكريات، وهي تمشطُ بيديها على عُقولنا بِعناية، تارةً نطمئن للمساتها، وتارة نصرخُ قليلًا من الوجع الذي تسببت به.

كانت هي هناك رأيتها؛ بيداها الصغيرتين، ووجها الشاحب، وعيناها العسلتين الواسعات المدى، ترفع يديها إلى السماء وتُردد « الرحمة يا الله … الرحمة » لم أكن أعلم عن ماذا كانت تطلب الرحمة ثُريا، عن ماذا كانت تُخبيء خلف ذاك الدعاء، أهي تفتقد شيء؟

كلا، لا أظن ذلك، هي تمتلك كل شيء، لديها المال والجمال والعائلة، أباها رجُل أعمال معروف في مدينتنا، طلباتها مُجابة، إنها تكبُر يومًا بعد يوم وسط عائلة ثرية، فماذا تحتاج إذً؟!

ظل السؤال يجوبُ في خاطري كل الوقت، كنت اتأمل ملامحها الطفولية، أتأمل دموعها التي تسقط كما اللؤلؤ الذي يُضيء ظُلمة الليل، كنتُ أتعجب لحبها لله، وتأديبها أمامه وهي تطلبُ منه بهدوء “الرحمة”، أظنُ أن لها سِر معه، تُخبئه عن كل البشر، ويبدو أننا نحتاج للرحمة أكثر من أي شيء آخر، كما هي تقول.

عدتُ حينها للمنزل، تسللتُ ببطء حتى لا تشعر ثريا بوجودي، ذهبت، وتركت الكثير من التساؤلات خلفي، ورغم فضولي الشديد لمعرفة الحقيقة التي تُخبأها، تجاوزت الأمر ومضيت….

 

أتذكر حينها أنني دونتُ في مذكرتي المصنوعة من الجلد ، ذات الطِراز القديم، التي بُتر جزء من أوراقها منذ فترة، المنقوشة بِرسومات قديمة للوحةِ هِنري، التي لم تتمزق بعد مرور عامان على وجودها، وكأن للأشياء الكثير من الارواح التي تجعلها مُتمسكة بالوجود..

كتبتُ إقتباس صغير، تكون بِمخيلتي ليلة إكتشاف جُزءً صغير من سِر ثُريا « إننا أحيانًا لا نحتاج للمال حتى نشعُر بالسعادة، بل ربما نحتاج لأشخاص يمثلون السعادة في أسمى صُورها» .

 

ودعتُ الأيام حينها، الأيام التي تخلو من عقلِ الأطفال، كنتُ طفلًا ورجلًا وعجوز في آن واحد، كنتُ أتقيء الماضي على أرضِ قاحلة، وأسحبُ تذكرة جديدة، ثم أصعد بِقطار يتجه نحو رحلة جديدة في الحاضِر العقيم.

 

مرَ يومان على عودة ثُريا لذاك الزُقاق، وسماع نِداءتها الخفية، كنتُ في كل ليلة في ذات الوقت أذهبُ هناك لأرى ما تفعله في الخِفية، أظن بأن المكان يفتقدها ايضًا، لا أعلم إن كانت توقفت بالفعل عن الدعاء، أم أنها علِمت بمراقبتي الكثيرة لها!

 

يقولون أنني صغيرٌ في العُمر، لكنني أعيشُ في خُضم الأشياء، أُعطيها روح، ثم أخاطِبها وكأنها بشر، لكن حديثي وثرثرتي، كُنت أدونها في المُذكرة، كنت أصنعُ من كل حدث عِبرة، كنت مُؤجرًا للحروف في كل ليلة، أقضي برفقتها أغلب الوقت ثم بعدها أغادر، حتى أبحث عن أحجية جديدة، لتكون عُنوان للنص القادم.

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed
error: Content is protected !!