سابع سما .. البساطة هي الأبقى

من يعرفوني جيداً .. يعرفون أنه من النادر جداً أن أنبهر بفيلم .. وهذا النقطة تحديداً كان مثار جدل دائم بيني وبين أساتذتي وزملائي في معهد السينما .. هناك أفلام يرونها كلاسيكات وأنا أراها أفلاماً عادية وهناك أفلاماً أراها أنا عظيمة وهم يروها دون المستوى وهناك أفلام بالطبع لا يختلف عليها إثنان.

لكن وجهة نظري التي لن أستطيع أن أغيرها أن السينما فن يجب أن يحاكي مشاكل البشر بشكل بسيط دون خطابة أو عبارات زاعقة وليس حتمياً أن يناقش الفيلم قضية شائكة أو ضخمة كي يكون فيلماً عظيماً .. فأكم من أفلام ناقشت قضايا حساسة بسطحية وملل جعلتك كمشاهد تكره القضية وتكره الفيلم نفسه. أردد دائماً لكل من أعرفهم أن البساطة هي الأبقي .. هي التي تصنع فناً حقيقياً .. وأن الفيلم الذي لا تنساه بمجرد أن تشاهده هو الذي سيظل عالقاً في ذهنك مدى الدهر .

وبعد دخولي المعهد أصبحت أكثر أهتماماً بالأفلام القصيرة والتسجيلية وأصبحت أحضر بإنتظام كل الفعاليات السينمائية في مصر تقريباً. لا أحب أن أفوت على نفسي فرصة مشاهدة أي فيلم وأشهر بسعادة بالغة عندما يكون فيلماً جيداً. ما لاحظته من خلال مشاهداتي للأفلام القصيرة أن كثير من المخرجين يفضلون التطرق في أفلامهم لقضايا ضخمة أو لمشاكل فلسفية ووجودية عميقة أو يقدم بعضهم على صناعة أفلاماً تجريدية وتشكيلية قد لا يكونوا ملمين عنها بتفاصيل كثيرة ، وهم يفعلون ذلك فقط ليصبح الفيلم صالحاً للمشاركة في مهرجانات ، ومن وجهة نظري المتواضعة فإن هذه الأفلام حتى لو فازت بجوائز فإن عمرها الفني يكون قصير للغاية ، وحدها البساطة هي الأبقى كما ذكرت. قليلون جداً من صناع السينما القصيرة والتسجيلية من يقدمون على صناعة أفلام تشبههم .. تشبه مجتمعهم وأحلامهم وأوجاعهم .. تشبه طريقة تفكيرهم .. ليس سهلاً على الإطلاق أن تكون فناناً متصالحاً مع نفسك أو مجتمعك ويمكنك أن تخرج ما بداخلك على الشاشة. هذا بالضبط ما فعتله المخرجة كريستين حنا في فيلمها الرائع (سابع سما) والذي عرض في مسابقة أفلام الطلبة في الدورة الحادية والعشرون من مهرجان الإسماعيلية السينمائي الدولي وتوج بجائزة مستحقة عن جدارة في حفل الختام.

تحكي كريستين في فيلمها عن نفسها وهي تحاول إقناع والديها أن يتركوها تسافر أسوان للتقدم لمنحة دعم لمشروعها (سكة فن) ويظهر من حديث والديها أنهم غير مقتنعين بما تفعل ويجادلونها بشدة ويطلبون منها أن تبحث عن عمل بشكل جدي. تتقدم أحداث الفيلم حتى تظهر شقيقتها الصغرى ماريان والتي التحقت لتوها بقسم الإخراج بمعهد السينما وهو ما يعد ضد رغبة والديها أيضاً وضد أصولها الصعيدية إذ أنها من أسيوط ، وطوال أحداث الفيلم تحاول ماريان وكريستين إقناع عائلتهما بما تريدان ولكن لا حياة لمن تنادي فوالدتها تريدها أن تلتحق بكلية من كليات القمة وهناك فرد من أفراد عائلتها يرى بوضوح أن (السينما أصلاً حرام) وترى أمها أن (صحابك الولاد يبقوا جوه الكنيسة لكن براها لأ). كان لدى كريستين الجرأة أن تصور أفراد عائلتها وهم يجلسون بملابس المنزل وأن تصور غرفتها وهي غير مرتبة وأن تضع في فيلمها بوضوح نظرة أهلها لها ، وتصور حوارات شديدة الخصوصية بينها وبين ماريان شقيقتها ، حتى نهت كريستين فيلمها بمقطع من أغنية (عشاق الحياة) لمنير على خلفية مشاهد دخول ماريان شقيقتها للمعهد وإستلامها مقر مشروعها (سكة فن) من والدها. يبدو الفيلم بسيطاً في ظاهره لكنه عميقاً للغاية في باطنه ، فهو يتحدث بوضوع عن قدرة الإنسان على الحلم وعن نظرة أهل الصعيد للفن ولمن يعملون به تحديداً لو كانت فتاة. الفيلم من ضمن مشاريع التخرج لأول مدرسة لتعليم السينما التسجيلية بالصعيد وهي مدرسة الجيزويت بأسيوط ، والحقيقة أن الفيلم من وجهة نظري لا يقل إحترافية عن أي مشروع في أي جامعة متخصصة بتدريس السينما.

إحتوت المسابقة التي عرض بها الفيلم في المهرجان على 16 فيلم عرضوا على مدار يومين ، وكان (سابع سما) هو أول الأفلام المعروضة وبعد إنتهاء عرضه لاقى ترحيب شديد من الحضور ، صفق الجميع تحية لكريستين على بساطتها وصدقها وقلت أنا في سري (الفيلم ده لازم ياخد جايزة) وهو ما تحقق بالفعل. بالمناسبة أنا لا أعرف كريستين ولا تجمعني بها أي علاقة شخصية لا هي ولا شقيقتها ماريان ، ولكني فقط مشاهد متخصص إنفعلت بشدة بما قدموه وأرى أن التحية واجبة.

عزيزتي كريستين حنا ..
شكراً على فيلمك الرائع
الذي جعل كل من يراه يحلق في

.. سابع سما ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed
إغلاق