خواطر

حب لم يُمْحِه الزمن

بقلم: هاجر متولي

كانت النهاية موجعة، تختلف تمامًا عما جاء في البداية، البدايات دائمًا تبرز لنا كل جميل، تجعلنا نشعر أن الحياة ستستمر كذلك، لكن النهايات تعطي لنا بذور الواقع في زهور من الألم.

الحُب ليس كما يدعون أنه شيئًا كبيرًا، إنه ألفُ شيءٍ صغير… يُأسر قلبي “الودّ” الذي يعبر عنه المرء باللفتة البسيطة التي تُشعر الآخر أنه مُهم، ويد تنساب في يد، أو مكالمة تخبر بها أحدهم أنك محتل ذاكرته رغم أنشغالك، أو رسالة تدعمه فيها، أو دعوة لكوب قهوة نهاية أسبوع تلتقي فيها به، دعوة للمشي دون وجهة، روابط مُرسلة عن أشياء يهتم هو لها.

تخيل أن يمُن اللّٰه عليك بإنسان لا يفعل بك شيء سوى أن يُخرج منك الأشياء الجميلة، يجعلك أهدأ بالًا، لا يفهم كلماتك بمعنى سيء، لا يُشير إليك إلا على الأشياء الجميلة، يمنحك ثقته كاملةً وأنك حتى لو أخطئت يثق أنك ستُصلح ما أفسدته، أعتقد أن مشاعر الحب شيء، وأن يمنحك أحدهم مشاعر الأمان والرحمة والثقة شيءٌ آخر، ربما معجزة قد لا تحدث في العمر سوى مرة واحدة.

‏كنّا نضيء لبعضنا بعضًا من زوايا الروح لم نكن نعلم بوجودها، كنا كحمامتين سلام تُربت على أرواح العالم أجمع.

لم أخبر يومًا أحدًا به، ولكنه وكأنه يفيضُ من عيني، لاشيء خاطئًا فيما يتعلق بالحب، فالحب يُنير القلب، كما يسوده مع بعض الأحداث الكره والبغضاء.

شيء واحد فقط بسيط لا يكاد يظهر… لمَ يغيب فجأة ثم يأتي معتذرًا، لمَ يسرد تفاصيل يومه واحيانًا آخرى لا يحدثني عن أي شيء يحدث له؛ مبررًا ذلك انشغاله بعمله، أو أن هناك أمور يود أن يعالجها بنفسه، ولا يريد أن يشغلني بها، وكأنه يُخفي شيء، لا يريد أن أعلمه، وبمجرد رؤيتي له، أعلم ما هو بحاجة له، لا يود إلا لحظات هدوء وسكون تُعيد له ما استنزفته الحياة منه في تلك الأيام السابقة، وبمجرد رؤيته لي وحديثه معي يستطيع حينها أن يُكمل ما عليه.

حتى حدثت الصدفة المؤجلة، أراه أمامي ولم نكن حينها على موعد، ولم أبلغه حينها أني اضطررت للذهاب إلى معمل الأشعة لأُجري بعض الأشعة كما طلبها مني الطبيب، رأيته أمامي يده تتشبس بطفل صغير ويُمازح امرأة أخرى، كادت نبضات قلبي تتوقف، من هي؟ أتلك “حنان” أخته الأصغر؟ ولكني رأيتها يومًا ما عندما كنتُ أتصفح هاتفه، لم تُشبه تلك المرأة، لم يراني هو بانشغاله بطفله، حاولت التقرب له أكثر لأعرف حقيقة هذا الوضع، ولكن شيء ما منعني، وأردتُ أن يخبرني، وأنا أدعو ربي ألا تكون امرأته.

وها قد أتي موعد لقاءنا المعتاد، لم أحظى بالنوم الليلة، كادت التساؤلات لا تنقطع، والصبر ينفذ، فسألته وأنا أخشى الإجابة، وأخبرني أنه هذا الشيء الذي طالما كنت أسأل عنه، ويحاول مرارًا بألا يخبرني به، حتى يدوم ما بيننا… شيء واحد فقط بغير موعد، ولم يحسب حسابه أحد، عاد كل شيء بعده إلى ما كان عليه.

وكأن وعيّ قد أنقسم نصفين، أحدهما في السياق اليومي يفعل ويقول، والآخر يتنحى جانبًا من الطريق، ينتظر أن يحصل على ما أعطته له الأيام من سعادة وفرح، وسلبته منها دون أن تخبرها.

تتصفح محادثاتهما وصورهما فتستعيد مرة أخرى شريط الذكريات..

هُنا كان يحدثني عن قسوة الأيام، وهُناك كان يتغزل في جمالي، هنا كان يغار وهُناك كان غاضبًا من تصرفاتي، هذه الصورة كانت يوم ميلادي وهذه الرسالة يوم شعرت بالضيق منه، فقدم اعتذاره بطريقةٍ مختلفة، هُنا توعدّنا باللقاء ولم يحدث، وهناك كان اللقاء بعد فترة طويلة من الغياب، تتذكر وتتذكر ثم تنهار، تنهار باكيةً؛ لأنها لم تعد تملك الشخص الوحيد الذي كان بإمكانه مشاركتها لِمِثل هذه اللحظات الصعبة.

‏ولكنها شعرت فجأة برغبة شبيهة برغبة القطة الصغيرة التي تبحث عن الدفء… أرادت أن يدللها كما كان يفعل، وأن يُربت على كتفيها، وأن يمسح شعرها، وأن يقول لها من جديد أنها جميلة، ولكنه اليوم لم يكن بجانبها، وهي لا تعي كيف ستمضي تلك الأيام، فتجاوز هذا لم يكن سهلًا، ولكنها لابد وأن تقبل بما أراده الله لها.

..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed
error: Content is protected !!