قصص

دخول مفاجئ | الفصل التاسع مرض نفسي

شهرين قبل الإختفاء
مستشفي الهرم بطريق مصر إسكندرية

ظل الدكتور احمد لثلاثه أيام بجوار أخيه في المستشفى يرعاه ويخدم احتياجاته .. العيادة مغلقة، والمرضى منتظرين على احر من الجمر، اعمار تتبدد وأفكار تتهدم، أعمال تنتهى وحيوات على وشك الانتهاء .. تليفونه لم يتوقف عن الرن ولكن بدون استجابه فهو لا يرى في هذه الدنيا أهم من الاهل حتى ولو كان بعيد عنهم، حتى ولو كان ضعيف الحيلة تجاههم، فالمسانده تأتي من الحب ولا يشترط ان تكون بشكل معين، قد تكون مال، كلمه طيبه، او حتى مجرد اهتمام.

ثلاثة أيام وهو يتنقل في الغرف ما بين غرفه أخيه والغرف الأخرى، يتفقد الحالات، ويمارس مهنته بالمجان على سبيل التسلية.

ثلاثة أيام وهو يجلس في تلك الرائحه التي لطالما كان يكرهها وتتوافد المئات من الناس لزيارة اخاه من أصدقائه في العمل وجيرانه في البيت وأصحابه في الشارع.

وبينما كان جالسا بجوار احد الزائرين وجد في يده طفل صغير، فظل يداعبه حتي قاطعت سكرتيرته غادة خلوته مع الطفل قائلة “حضرتك قاعد هنا فرحان ومبسوط وسايب الناس العيانه تولع بره، مبتردش على حد وانا اللي متدبسة في كل حاجه”.

“متقلقيش على الناس محدش بيموت ناقص عمر، انا معنديش حد اهم من اخويا دلوقتى”.

“انت مش شايف ان دى انانيه منك، إنت دكتور ومسؤول عن أفعالك”.

سألها “انتى ابوكى عايش؟”.

“اه، اشمعنى؟”.

“لو حصلتله حاجه وانا قولتلك لا مش هتسيبي الشغل وهاتفضلي معايا عشان انا محتاجك في الشغل اليومين دول، هاتسيبيه وتفضلي معايا عشان الحالات؟.

نكست علي رأسها بعدما شعرت بالحرج ثم قالت في إيحاء بالملل “طب انت هتفتح امتى، انا ملحقتش اشتغل”.

سجيته كدكتور نفسي وكرجل لديه علم بالطبيعة النفسية للنساء جعلته يشعر بأنها قد ملت، فقرر إشغالها قائلاً “تعالي معايا”.

انتقل الدكتور أحمد بغادة لغرفة مجتمع بها العديد من المرضى والزوار ثم قال لها “تفتكرى كام واحد من دول عنده مرض عضوى بسبب شئ نفسي مخليه مش قادر يكمل حياته؟”.

ردت عليه غاده باستنكار “وانا ايه اللى هايخلينى كبنى ادمه افكر ان ده وضع أفضل ليا”

“اول مرحله في علاج المريض بتاعنا اننا نؤكد له انه مريض ياغاده، اغلب الحالات اللى بتجيلى، بتجيلى وهى مقتنعه ان هي تقدر تثبت ان معندهاش حاجه نفسيه تمنعها من انها تعيش حياتها بشكل طبيعى، بس لما بيوصل لعندى وبفتحله صحيفة الذكريات الموضوع بيختلف تماما”

‘انت عايز تقولى ان كل الناس دى مرضى نفسيين ومحدش فيهم عنده مرض عضوى؟”.

“لا طبعا .. المرض العضوى موجود بس هو مش قادر يقاومه لأنه ضعيف، معندوش السبب اللى يخليه يقاوم المرض ده”.

“مهو لو مش عايز يقاوم مش هياخد العلاج”.

“العلاج ده عشان يخفف الألم، لكن هو لو عليه، هو مش عايز يخرج من هنا .. وبعدين احنا هنروح بعيد ليه؟!، تعالي نعمل تجربه”

اتجه الى رجل بلحية يمكث في الغرفة وحيدا بدون زائر وتوجه إليه وقال له “مساء الخير ياحاج؟”.

نظر اليه الرجل بنظره استغراب كما لو أن لم يزره احد من أسابيع ثم قال له “وعليكم السلام ورحمه الله وبركاته، تحية الإسلام السلام”.

ابتسمت غادة ونظرت إلي الدكتور أحمد وهو يقول “طب ما تفرض ان انا مسيحى”.

“يبقى مش هتيجى تسلم عليا ولا حتى هاتبص في وشى”.

“ليه كده بس، هو انت عملت ايه؟”

“ولا عملت اى حاجه، كل الحكايه انى ربيت دقني”.

مازحه أحمد قائلا “طب وحد يربى دقنه في الأيام السوداء دى ياراجل”.

ابتسم الرجل وقال “انت عايز منى ايه؟”.

فرد أحمد ثبات “لا انا مش عايز حاجه، انا اخويا في المستشفى هنا تعبان ومريح شويه .. وانا ماشى في الدور لقيت الاوضه دى .. ولقيت فيها ناس كتير قاعدين مع بعض الا انت قاعد لوحدك، خدنى الفضول انى اعرف انت قاعد لوحدك ليه بس؟، فين أهلك وناسك؟”.

أجاب الرجل بنبرة حزن “أنا من ساعة ما ابنى جابنى هنا وهو مبيجيش يزورنى، اديته عمرى وحياتى وعايزني كمان اموت عشان ياخد ثروتى بالحياة، ومش بعيد واحنا قاعدين دلوقتى يكون بيقسم ثروتى”.

“وانت عارف كده وساكت؟”

“هعمل ايه يعنى، ما باليد حيله، انا مريض بالقلب، لما جابونى هنا كانوا فاكريني خلاص بودع وهاموت بلا رجعه بس يشاء السميع العليم انه يكتب لي عمر جديد عشان اشوف ولادى وهما بيقسموا ثروتى وانا حى، تفتكر ربنا بيعمل فيا كده ليه؟، ليه ميكونش اجلى جه قبل ما اشوف عيالى وهما بيتفقوا على موتي؟، ليه ميكونش قبل ما اشوف كل واحد ربيته على أيدي بيتخلى عنى عشان مصالح شخصيه هو عايز يحققها، ليه؟.

بدأت الدموع تذرف رويداً رويداً من بين جفونه حتى ربتت على كتفه غادة بكفها الرقيق ولكن الدكتور أحمد كان له طابع خاص في المحادثات النفسية فقال “اكيد ليه حكمه فيها، ممكن يكون عايزك تشوفهم لما الدنيا تخبط فيهم و ييجوا تحت رجلك ويقولولك سامحنا يا بابا، احنا غلطنا في حقك ومش هنعمل كده تانى”.

سحب الرجل صوته بصعوبه بالغه حتى لا ينهار أمامه وقال “انا يااستاذ بصارع الموت، رجل ورا ورجل قدام، معتقدش ان انا هاعيش لحد ما اشوف ولادى وهما تحت رجلى وبيقولولى سامحنا، ممكن اشوفهم وانا روح بعد ما اموت”.

نظر احمد لغاده وكانه يريد ان يقول لها شيئاً ثم قال للرجل ” انت فاكر انك بتصارع الموت، لكنك في الحقيقة استسلمت حرفيا للموت، عشان انت فقدت الأمل في ولادك .. بعد عمر طويل ان شاء الله، ربنا هايقومك بالسلامه من هنا، وهايخليك انت بنفسك تعمل الحاجات اللى تخلى عيالك يجولك ويقولولك سامحنا يابابا، بس انت لازم تقوم كده وتوريهم همتك”.

وأخرج ورقة وقلم من جيبه ثم كتب على الورقة رقم هاتفه ثم أعطاه للرجل وقال له “ده رقم تليفونى، اعتبرني عيل من عيالك ولو احتجت اى حاجه منى كلمنى، وانا مش هتأخر عليك .. الا بالحق مقولتليش انت كونت ثروة ازاى هو انت شغال في ايه؟.

“شغال في الدهب، تاجر دهب”

“لا بصراحه شيء يستاهل انك تقومله من المخروبة دي ، المفروض انك تشد حيلك كده وأتمنى وانا بخرج اخويا من هنا متكونش لسه فيها”

“ان شاء الله، بس حضرتك مقولتليش انت بتشتغل في إيه؟”.

“نضارات، تاجر نضارات” .. قالها وهو يتجه مع غادة ناحية باب الغرفة”.

استعجبت غادة من رده ثم قالت “انت مقولتلوش ليه انك دكتور نفسانى؟”.

ابتسم أحمد وقال لها “بصى يابنتى، 3 في البلد دى ما ينفعش يقولوا هما شغالين ايه، عشان لو قالوا هما شغالين ايه، الشغلانة تبوظ الصحفى، وظابط المباحث، والدكتور النفساني .. المهم فهمتي حاجه من الدرس اللي اخدتيه جوه ده؟”.

“انت عايز تقول ان الراجل ده مشكلته ان عياله انانيه، مش مهتمه بيه، وهو عارف كده كويس ومش عايز يخرج لهم عشان هما عياله ومش هينفع يواجههم وهايضعف قدامهم، وعشان كده هو متمارض ومستسلم”.

“انتي كل مرة بتبهريني أكتر من الاول .. بالظبط كده .. وانا لو قولتله ان انا دكتور نفسانى هايشك في عقليته أو هيشك فيا وفي الحالتين النتيجة مش هتكون مرغوبة”.

مر عليهم رجل مبيعات لا يعلم كيف دخل الي هذا المكان، توقف امامهم وقال “انتوا اكيد عرسان جداد” وقبل ان يتفوه أي منهم بأي كلمه قال “معايا ليكم عرض ميتفوتش، احنا شركه بيفيليك، شركة جديدة في عالم الاجهزة الكهربائية وكنا عاملين عروض للعرايس الجداد كدعاية للشركة” وأخرج استمارة من يده وقال “كل اللي عليكوا انكوا تختاروا رقم وتكتبوه في الخانة دي وتحته اساميكم و ارقام تليفوناتكم، عشان ممكن رقمكم يطلع كسبان”.

لم يدع احمد الفرصة لغاده لتتكلم فسحب الاستمارة من الرجل وسرعان ما كتب بداخل المربع ٦٥٨ واعطي للرجل الاستمارة شاكراً اياه.

تسائلت غاده “انت اخدت الاستمارة منه ليه مع انك مش محتاجها؟”.

“انا بحب الحاجات اللي فيها حظ، وبحب العب فيها اوي”.

“طب واشمعني رقم ٦٥٨ يعني؟”.

“ده رقم الحظ بتاعي، تقدري كده تقولي رقم اليانصيب، بحطه في اي حاجه عايز اكسب فيها”

“طب افرض الحاجة محتاجه اكتر من ٣ ارقام او اقل؟”.

“لو ازيد بحط في الاخر ١٢ .. لو اقل بشيل منهم رقم .. حسب الخانات .. بس انا دايما بحب استخدمهم بنفس الترتيب”.

صمتت لبرهة ثم قالت “الا صحيح هو انت هتعمل ايه مع ياسين؟”.

نظر اليها بدهشة “انتي عرفتي الموضوع ده منين؟، ده سري جدا ويخص ظابط امن دوله، وقرايه النوع ده من الملفات ممكن يعرضك للخطر”

“لا انا لقيته على مكتبك انهاردة الصبح”

انتفض الدكتور احمد من مكانه وهو يقول “هو انا نسيت الملف ده بره الخزنة، قومي بسرعه معايا نروح ندخله قبل ما حد يوصله”.

هرع الدكتور أحمد مسرعا الى سيارته وورائه غاده محاوله بكل قوتها اللحاق به او محاولة إيقافه لتخبره بانها قد ارجعته للخزنة واغلقتها ولكن دون جدوى.

يعلو صوتها في المكان “يادكتور احمد يادكتور احمد” ولكن الدكتور احمد لا يستجيب لكلماتها لديه هدف وواضح ويبدو أنه متجه اليه.

خرج دكتور أحمد من المستشفى ليقابل شاحنة سوداء توقفت فجأة امامه و انفتح بابها ليجد فوهة سلاح مصوبه عليه وانطلقت منه حقنة مخدرة مصوبة بدقة لتسكن في جانب رقبته الأيمن جعلته يسقط في مكانه ليلتقطه رجلان مقنعان يرتديان ملابس سوداء ثم ادخلاه السيارة وانطلقا في اقل من دقيقه.

حاولت غاده اللحاق بهم بصوتها او بنظرها فلم تستطع فقد صرخت “الحقونى الحقونى العربية خطفت الراجل” فلم يستجب أحد إلا عدد قليل من المارة القليلين الموجودين بالشارع، وعندما حاولت أن تلتقط أرقام السيارة بعينيها لم تجد لها أرقام حتى اختفت السيارة من أمام عينيها.

ركبت غاده سيارتها على الفور وتوجهت لأقرب قسم شرطة وحررت بلاغ بالحادث.

الي الفصل الثامن https://haveneg.com/21913/

الي الفصل العاشر https://haveneg.com/23050/

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed