قصص

إختفاء مفاجئ | الفصل العاشر ولا عزاء للقاتلين

قبل شهر من الاختفاء.

استيقظ الدكتور احمد وهو معصوب العينين في مكان مهجور لا يسمع فيه اى أصوات لأي كائنات حية سوى صوت الصراصير والفئران التي تمشي على مواسير يبدو انها تشققت بفعل الزمن ليخرج منها الماء متساقطة على الأرض محدثا صوتا نتيجة ارتطام نقط المياه ببعضها.

صاح بما تبقى لديه من قوة إثر هذا المخدر “ياهلاله يالى هنا، انتوا هاتفضلوا سايبنى هنا كده لحد ما جثتى تحمض، ما انتوا اكيد عايزين منى حاجه ياريت ننجز ونقولها ونشوف اذا كنا هنقدر نعملها ولا لا؟”.

سمع صوت باب ينفتح مصدرا صوتا نتيجه احتكاك مفصلاته ببعضها ويبدو انه يفتح بصعوبة بالغة نظرا لثقله وقِدمه، ثم صدر من خلفه صوت لم يكن ببعيد عنه وكأنه سمعه من قبل “ازيك يا دكتور احمد، عامل ايه دلوقتي، اعذرنى على سوء استخدامي لسلطتي، بس الأمر هام وكان لازم نجيبك بالطريقة دي والا هايكون في خطر علي حياتك”.

“خطر على حياتي، من مين؟، انا عمري ما كان ليا أعداء”.

“يمكن انت متخيل كده، بس انت من ساعة ما اشتغلت مع امن الدوله وانت ليك اعداء،انت تعرف ايه عن عمر عبد الفتاح؟”.

فكر الدكتور احمد لدقائق معدودة ثم شرد قليلا في ذكرى من ثلاث سنوات عندما قابل عمر عبد الفتاح لاول مره، وحدث بينهم خلافا كبيرا على اسلوب التدريس عندما كان دكتور بالجامعه فقطع تفكيره صوت الرجل وهو يقول له “انت سرحت فى ايه يادكتور؟، تعرفه ولا متعرفوش”.

أجاب الدكتور أحمد “كان طالب عندي من سنين، واختلفنا مع بعض وخرج من محاضرتي ومرجعليش تاني، ليه هو عمل إيه؟”.

“انضم لجماعة ارهابية، ومش عارفين نوصله وكان كل املنا اننا نلاقي اي معلومه عندك تدلنا عليه”.

“أنا ياريت اعرف حاجه عنه، كنت قدرت أساعدك”

سمع الدكتور أحمد أزيز الباب وهو ينفتح ثم سمع خطوات تقدمت نحو الشخص الذي كان يقف أمامه وظلا يتهامسان لدقائق ثم سمع خطوات تتجه نحو الباب حتى ابتعدت تمام واغلق الباب.

شعر أن الغرفة التي يقف بها خاليه من اي اشخاص وأراد أن يتأكد فقال “هو حضرتك معايا لسه؟”، فلم يسمع رد فعلم أنه خرج.

لم تمضي بضع دقائق حتى عاد الباب ينفتح مرة أخرى واتجه نحوه رجل ازال من عليه عصبة عينيه ليجد انه أبيه، ولكنه كان منكسراً ذو وجه دامع .. فاستعجب أحمد لنظراته ثم سأله “بابا، مالك وشك مخطوف كده ليه؟”.

استعاد أبيه رباطة جأشه وقال له “اخوك واختك ماتوا النهارده بعد الضهر، بعد ما سبتهم في المستشفى بساعة، المستشفى انفجرت في حادث إرهابي”.

دار يلف في مكانه وهو يضرب علي جبينه ويقول “يا ولاد الكلب، حتي المستشفى معتقتوهاش، حسبي الله ونعم الوكيل، انا لله وانا اليه راجعون”


كان شاردا يمشي كالموتى، لا يدري من بجواره ومن خلفة، ومن يقوم بتعزيته .. دموعه تأبى الخروج، يقاتلها حتى لا تظهر على عينه .. الشوارع أمامه طويلة لا تنتهي، ودخان السجائر يزيد من حرارة الجو التي لا يشعر بها .. الوقت يمر ببطء واليوم طويل والكلام يصل بصعوبة لمسمعة وكأنه يعيش في كون موازي.

كانت زوجته وغادة يمشون بجواره .. يساندوه أينما ذهب، يحاولون ان يكونوا السكر وسط مرارة يومه، يقاتلون معه لكي يلهوه عن ما حدث، ولكنه لن ولم ينسى ابدا، تفكيره كله منحصر في أن يكون القاضي والجلاد .. سيستخدم كل الأوراق ضد تلك الجماعات، سيجعل العالم كله يشهد علي ظلمهم، سيعمل بكل جهد لكي يعطي الحق لكل ظابط أمن دولة في أن يتعامل معهم كحثالة المجتمع.

كان كل تفكيره منصب في الخطة التي سيضعها ليضربهم ضربة تذيقهم مرارة الأيام التي ذاقها، وقرر أن تكون البداية بعمر عبد الفتاح، يبدوا انه شخصية مهمة لديهم، وغيابه سيؤلمهم كثيراً.

ظل يبحث مراراً وتكرارا لأسابيع طويلة فلم يصل لشئ، مثلة كالحكومة لم يجد له أي أثر، كأنه فص ملح وذاب، حتي دخل عليه في يوماً ما رجلاً يلبس بدله عليها معطف اسود طويل في ليلة سوداء كاحله.

نظر له الدكتور أحمد وقال له “مين حضرتك؟”.

إبتسم الرجل وقال له “معقول بتدور علي حد ومتعرفش شكله، انا قولت اوفر عليك التدوير واجيلك، انا عمر عبد الفتاح”.

انتفض الدكتور أحمد من مكانه وانطلق نحوه ممسكا به من ياقته ودفعه نحو الحائط وهو يقول “يابن الكلب وجايلي برجلك لحد عندي، ده انا هاشرب من دمك”.

أخرج عمر من جيبه مسدساً ووضع فوهته على بطن احمد وهو يقول له “اهدي كده ومتتهورش، ومتبقاش عامل زي العبيط كده، وتخلي الليلة تقلب بغم”.

شعر أحمد بفوهة المسدس على بطنه فترك ياقته وابتعد خطوتان للوراء، كان يفكر في الهرب ولكنه لم يريد ان يترك له العياده بما فيها، انه مجده الذي لطالما سعى في أن يبنيه، فكيف سيتركه لمجرم كهذا علي طبق من فضة.

فكر بالشكل الذي جعله دكتورا وهو الطب النفسي واستنتج ان عمر لديه ما يقوله والا كان قد قتله بمجرد دخوله عليه ان كان يريد قتله .. إستعاد هندامه وجلس علي مكتبه وأشار إليه أن يجلس.

جلس عمر أمامه وقال “انت بتدور عليا ليه وايه حكاية هشرب من دمك دي، زي ما يكون في ما بيني وما بينك تار شخصي”.

لم يكن الدكتور أحمد من النوع الصريح ولكنه في تلك المرة قرر أن يصارحه فقال له “المستشفي اللي انتوا فجرتوها كان فيها اختي واخويا، قتلتوهم بدم بارد زي ما قتلتوا ناس كتير”.

اندهش عمر من كلام الدكتور وكأنه يسمعه لأول مرة فسأله “مستشفي ايه اللي إحنا فجرناها، وإحنا مين أصلا؟”.

“الجماعات الإرهابية اللى انت شغال معاهم”.

“جماعات إرهابية، انت مين اللي قالك الكلام ده .. اللي قالك الكلام ده كان بيغسلك دماغك عشان يوجهك لحاجه معينه .. انا مش شغال مع الجماعات الارهابية، أنا شغال مع دبلوماسي وعشان كده عرفت ان انت بتدور عليا واول ما نزلنا من السفر جيتلك”.

“دبلوماسي؟!” قالها أحمد وقد ارتطمت في جدار عقله الكثير من الاسئله، ثم استطرد “دبلوماسي إزاي يعني، امال ايه حكاية الجماعات الارهابية دي؟”.

“لا دي حكاية قديمه كده بدايتها كانت من عندك، تحب احكيهالك؟”.

“اكيد، مش بتقول بدايتها من عندي؟”.

“هاقولك .. انا بعد ما افتعلت معاك المشكلة وخرجت قابلني واحد دارس تاريخ حياتك وعارف انك دكتور مشهور وان عندك خزنه بتشيل فيها معلومات خطيرة عن جهاز أمن الدولة، وكان عايزنى اسرقله المعلومات دي بس انا مش حرامي .. جهاز أمن الدولة ابتدي يراقبني بعد الموضوع، وشوية كده وقبضوا عليا وشوفت ايام ما يعلم بيها الا ربنا في الجهاز على ايد ظابط اسمه يس الدهشوري .. طلعت – والحمد لله اني طلعت – مقرر اني هأذي يس الدهشوري ده في حياته بأي شكل ممكن وده اللي جابني ليك انهارده”.

كيف عرف هذا الرجل بأن الدكتور أحمد يقوم بعلاج يس الدهشوري، وما الذي جعله يعتقد انه سوف يساعده في شئ كهذا، ربما يكون لديه معلومات ناقصة عنده قد تفيده .. افكار كثيرة دارت فى عقله فتسائل “وانا ايه دخلي بالموضوع ده؟”.

أجاب عمر مبتسما “دخلك انك مضحوك عليك، عايش مع واحده بتقرطسك،بس ياعيني تلاقيها هى كمان مضحوك عليها”.

انتفض الدكتور احمد وهو يقول “انت بتقول ايه يا جدع انت مجنون”.

“أقعد بس متتحمقش أوي كده، انا عارف انا بقول ايه كويس، يس الدهشوري مخلي مراتك بتتجسس عليك وبتنقله كل اخبارك، وهقولك امتي هيتقابلوا عشان تديله تقرير عنك .. مش بعيد يكون مفهمها انك ارهابي وبتبيع اسرار الدوله، عشان كده هي بتساعده، ومش بعيد كمان يكون هو اللي فجر المستشفى عشان يفهمك ان في جماعات ارهابية بتطاردك و يقنعك انك تحتفظ بالملفات بتاعته في الجهاز، يس ممكن يعمل اي حاجه عشان الورق ده ميقعش في ايد حد حتي لو هيقتل”.

“وانا ايه اللى يضمنلى ان الكلام اللى انت بتقوله ده صح، ما انت ممكن تكون بتلعب بيا عشان تقنعني اني اديك الورق انت كمان”

” هو ده اللى هيحصل بس مش عشان أخفيه، انا عايز افضح اعمال يس كلها فى الجهاز، وانت هتديني الورق بمزاجك او غصب عنك، بس انا احب انك تتاكد بنفسك وبعدين نبقى نتكلم” .. وأخرج ورقة من جيبه وكتب عليها شئ واعطاها لأحمد وقال له “ده المكان والميعاد اللى مراتك ويس هيتقابلوا فيه، بعد ما تتأكد بنفسك هيبقى فى بيني وبينك قاعدة تاني، عن اذنك” .. قالها عمر وهو يترك الورقة على المكتب تاركا اياه تائها فى بحر من الافكار.

الي الفصل التاسع https://haveneg.com/23046/

الي الفصل الحادي عشر https://haveneg.com/23696/

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed