نقد سينمائي

“صاحب المقام” بين النقص والتمام

يعتبر فيلم “صاحب المقام” واحد من أهم الأفلام التي عرضت قضية شائكة في السينما المصرية ، ولقد حقق الفيلم صدي غير عادي على مختلف مواقع السوشيال ميديا والمواقع الإخبارية إلا أنه تناول فكرة “المقام” – وهي فكرة شائعة لدى المسلمين – بشكل خاطئ لانه حاول إثباتها وليس العكس.

فمن المعروف بين الطوائف الإسلامية اختلافهم في فكرة بناء الضريح أو المقام، وقد كانت تلك المسأله محطة إختلاف منذ أيام أصحاب الكهف وقد نفى الرسول صراحة اتخاذ قبور الأنبياء والأولياء مساجد ولكن مشكلة الفيلم كانت أعم وأشمل من ذلك.

ففي مشهد عبثي من المشاهد المصطنعة قال شيخ الجامع ليحيي بكل عفوية “أنت دلوقتي يا يحيى رسول الإمام” ليدخل بنا في دائرة مغلقة أخطر مما قبلها ليصبح يحيى رسول الإمام الذي هو بدوره رسول الرسول الذي كان في الاصل رسول الله .. ما هذا العبث، وكيف لشيخ مسجد عالم ان يكون بتلك السذاجة فصياغة الفكرة كانت ستكون أفضل لو كان السيناريو يخدم فكرة أن شيخ المسجد أراد من يحيي أن يساعد الناس بدون الدخول في جمل رنانة تسئ لشكل الدين الإسلامي وهيكله 

فبكل بساطة ليس هناك أحدا منا يحق له أن يطلق على نفسه رسول، خصوصاً في الدين الإسلامي وقد كان يحيي يكررها في كل زيارة “أنا رسول الإمام الشافعي”.

في الواقع الإمام الشافعي لم يرسل أحدا وإنما هو الله الواحد الأحد الذي ليس بينه وبين عباده أي وساطة، ولو كان من الضروري ان يكون بيننا وبين الله وسيط فكان من الأولي بنا أن يكون شفيعنا وحبيبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وسيطنا.

كما انه نفس شيخ المسجد الذي عندما سأله يحيى عن مدى استجابة الإمام الشافعي (كما يدعون) لتلك المشاكل قائلاً “وبتتحل؟” فرد عليه الشيخ الجليل بنوع من أنواع النفاق الديني قائلاً “المشاكل اللي مبتتحلش مسيرها تنتهي وساعتها هتتحل” .. فلو كانت المشاكل ستنتهي بهذا المنطق فربما علينا الاستعانة بالصبر والصلاة كما امرنا الله عز وجل دون اللجوء لمقام أو ضريح.

المشاكل اللي مبتتحلش مسيرها هاتنتهي، وساعتها هاتتحل

ولم يقتصر الأمر علي ذلك فقط بل وتطور للتشكيك في استجابه الله لعباده .. ففي مشهد عبثي أخر يسأل يحيى والد هاجر”انت ليه بعت الجواب باسم مراتك؟” فيرد عليه “اللي يكتب جواب للإمام الشافعي لازم يكون بينه وبين ربنا عمار وانا كنت بعيد بعيد اوي ياباشا بس الحمد لله ان الله غفور رحيم” .. عندها لم يعقب يحيي علي ذلك وهنا أصبحت الفكرة مؤكده ولكن الواقع علي عكس ذلك فالله يستجيب لعباده جميعاً ويسمعهم جميعاً الفاسدين منهم والصالحين، والقريب من الله فعلاً سيعرف أن الدعاء لله خير من ألف جواب.

اللي يكتب جواب للإمام الشافعي لازم يكون بينه وبين ربنا عمار وانا كنت بعيد بعيد اوي ياباشا بس الحمد لله ان الله غفور رحيم

وهنا يضعنا الفيلم أمام إشكالية أخرى .. أين دور الصلاة والدعاء في التضرع للمولى عز وجل، وما دور الكنيسة بحياة رجل مسلم، وما دخل قراءة الفاتحة بطقوس الدين المسيحي .. المشهد كله إجمالا مجرد إسقاط لأنه لم يجد الإستجابة عند الله فقرر اللجوء لوالدته (كما يعتقدون) لحل مشكلته.

ثم تستمر معاناة يحيي الي ان ينتهي من حل المشكلات المرسلة للإمام الشافعي ويشاء القدر أن تكون زوجته قد استيقظت قبل ذلك بكثير ولكنه يكتشف مؤخرا لأن روح قد اتفقت معها على الا يعلماه أنها استيقظت.

روح التي أفقدت الفيلم منطقيته بدورها، فالمشاهد على الرغم من متابعته لسير الأحداث إلا أنه أصبح حائراً في مضمون تلك الشخصية .. هل تمثل عقله الواعي؟ ام انها تمثل نظرة المجتمع أم هي مجرد رسالة ربانية ارسلها اليه ليوحي له بأن يساعد المحتاجين؟، وفي كل الحالات كيف يرونها من حوله من الناس وكيف يتعاملون مع الامر على انه شئ عادي ليس به أي وضع مريب؟!.

ثم ينتهي الفيلم بإعادة بناء يحيي للمقام مرة أخري حتي لا تتفاقم مشاكله بسبب غضب الولي -الذي لا يضر ولا ينفع في قبره- عليه وهو ما يتنافى مع معتقدات الدين الإسلامي الذي يحث علي ان البلاء محنة يضعنا فيها الله عز وجل لإختبار مدى إيماننا به وليذكرنا بقوته وعظمته.

ايضا ذهابه الى مسجد الامام الشافعي والقائه بجواب هناك يعتبر رسالة تحمل معنيين أحدهما سلبي وهو تأكيد علي الفعل الخاطئ وأن تلك الأضرحة مباركة ولا يجوز المساس بها والآخر إيجابي وهو أن جميعنا سائلين إلى الله عز وجل بمختلف طبقاتنا الفكرية والإجتماعية.

الفكرة عموما كانت ستصبح أفضل لو كان الترويج لها بالشكل المعاكس، بحيث يحاول الكاتب في سير الاحداث ان يثبت العكس ويؤكد علي ان التبرك بالاولياء ما هي إلا خرافات اخترعها أشخاص ذوي مذاهب ضعيفة الإيمان ليس لهم علاقة بالله ورسوله .. وان البلاء من عند الله، والفرج ايضا من عنده، وأنهم كأصنام ابراهيم لا يضرون ولا ينفعون، وان عباد الله ليس عليهم سلطان من ملائكة أو جان.

ولكنه في وسط كل تلك الأحداث ركز على أكثر من فكرة إيجابية إذا ما اردنا ان ننظر للفيلم بأكثر من منظور .. فعندما ذهب لصاحبة أول جواب وقال لها أنه سينفذ لها طلبها ماتت، وذلك فيه إسقاط على ان القدر له ميعاد وان كل شئ مكتوب، مهما تكلف الأمر واجتهد الإنسان ليغيره.

أيضا الفيلم فيه رساله لفكرة أن التجارة مع الله ليست صفقة وأنها قابلة للربح والخسارة، ولكنها ضرورية حتى بالنسبة لذلك الرجل الذي يعتقد أنه ليس عنده مشاكل في حياته.

فالناس كانت تتعامل مع يحيي لأمواله وليس لشخصه، فعندما سأل سكرتيرته الخاصة عن حب الناس له بصراحة، أجابت عليه بأنه غير مقبول وان لا أحد يحبه، وبالتالي أصبح كره الناس له مشكله هو غير مدركها.

وعندما تم سؤاله عن دراسة ابنه قال انه في صف غير الصف الذي كان يدرس به فصححها له ابنه قائلاً “انا في grade 4 يابابا .. وبالتالي أصبح هيامه في عمله دون التركيز على أولاده مشكلة.

ذلك بالإضافة للقلق والتوتر الدائم المصاحبين لشخصية رجل الاعمال، خصوصا ذلك الذي يحاول ان يبني امبراطورية.

كل تلك المشاكل قد لا يلاحظهما من هو تائه في بحر طموحة تطرح فيما بعض عقبات كثيرة، وقد عالجها الفيلم بالشكل المطلوب وركز عليها بشكل أساسي كمشاكل حقيقية”.

كما أن الفيلم ركز على الراحة النفسية التي يشعر بها الشخص عندما يقوم بمساعدة الناس، فحتى لو كانت الصياغة سيئه تسعى وراء هدف اسمي فإن ذلك أعطي الفيلم نوع من أنواع الدعم الإيجابي لمساعدة الناس كنوع من أنواع التقرب لله وفيه ترسيخ لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم “داوو مرضاكم بالصدقه”

وبغض النظر عن إيجابيات وسلبيات الفيلم فقد حقق صدى كبيرا جدا في الأوساط الاجتماعية ويرجع ذلك لعدة أسباب وهي

١- تم عرض الفيلم على منصة إلكترونية، مما سمح لفئة كبيرة وعريضة جداً من الجمهور متابعته خصوصا هؤلاء الذين لا يتحركون كثيرا، ومن لا يحبون السينما .. لذلك شاهده اغلب الناس من بيتهم وذلك ما جعلهم يستطيعون التحدث عنه بكل أريحية دون تعب او مجهود محاولة تذكر للأحداث أو انتظار فتح باقة الانترنت بعد الخروج من السينما.

٢. ترتيب أحداث الفيلم أظهرت خبرة المؤلف في جعل الأحداث متناسقة ومرتبة حتى لا يصبح المُشاهد تائهاً بين المَشاهد المختلفة، وبالتالي يستطيع الإلمام بالفكرة دون أن يحيد بأحداث الفيلم عنها، كما أن الإخراج كان له عامل خاص في التنقل بين تلك المشاهد وصياغتها بهذا الشكل.

٣. علي الرغم من أن الفيلم كان دراميا أكثر من كونه كوميديا الا انه لم يخلو من الافيهات والمواقف الكوميدية التي يتعرض لها كل شخص منا في يومه .. كالمشهد الذي ذهب فيه يحيي لرجل أراد أن يتزوج من امرأه وصفها بالملاك ليزوجه لها فيفاجأ بأنه قد تزوجها فعلاً وان الحياة بينهم أصبحت حياة زوجية روتينية، ومشهد المسجد الذي التفت فيه يحيي لتصفعه امرأة على وجهه وهي تقول “اوعى تعمل كده تاني”، فينظر لمساعده مندهشا فيرد عليه بأفيه كوميدي “انا واقف من ساعة القلم، هو كان في حاجه قبل كده؟” .. تلك الكوميديا المنطقية أعطت الفيلم بعضا من الحس الدعابي الذي يكسر الملل، ليستطيع المشاهد مشاهدة فيلم لأكثر من ساعتين.

٤. أداء كل ممثل في الفيلم كان بارعاً ومنطقي، كأنك تشاهد حالات من الواقع وليس مجرد تمثيل على الرغم من أنهم كانوا على علم مسبقا انه سينشر على منصة الكترونية وأنه قد لا يحقق الصدى المطلوب، ولكنهم خدموا الفكرة بالشكل الذي خدم نجاحهم فيها.

٥. الموسيقي التصويرية للفيلم كانت رائعة، فقد كانت الموسيقى التصويرية لكل مشهد معبرة عنه بالشكل الذي لا يجعل المشاهد ينفصل بسببها، بل جعلته اكثر ارتباطا بالمشهد لما لها من دلالة على ما يحدث به .. وبالتالي أصبحت جزء لا يتجزأ عن المشهد وعامل ضروري لاكتمال الصورة المطلوبه.

تلك العوامل ساعدت على نجاح الفيلم بشكل كبير، على الرغم من تناوله للفيلم بشكل سئ، فكان من الأولي أن يخدم فكرة صحيحة، مبنية على أسس ومبادئ سليمة.

فقد احتوى الفيلم على العديد من القيم الجميلة والمبادئ التي وضعت أمام فكرة خاطئة من الأساس، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى” فأنت لا تحتاج لأن تخرج خارج منطقتك لزيارة مسجد ما إلا إذا كان واحدة من تلك المساجد المذكورة أعلاه.

وفي النهاية فإن خير معلم هو الدنيا فأياً كانت فكرة الفيلم فإن الموقف الذي تعرض له يحيى قد غير من شكل حياته بشكل جذري، فكم من مرة يتعرض فيها شخص ما لتجربة يخرج منها بدروس مستفادة من شأنها أن تغير شكل حياته بالكامل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed