نقد سينمائي

ما وراء الطبيعة وجلد الذات بين الناقد والمحب

بترقب شديد وحماس متقد، استقبل عشاق كتابات الكاتب الكبير “أحمد خالد توفيق” بصفة خاصة وعشاق أدب الرعب بشكل عام مسلسل ما وراء الطبيعة الذى قدمته منصة “نتفليكس” مع بدايات الشهر الحالى، وبعد عرض المسلسل – الذى لم تستطع “نتفلكس” المحافظة على انفرادها بعرضه – لكن ذلك شأن أخر – تضاربت الآراء بين المشاهدين، كان الوضع محبطًا بشدة لكل عشاق سلسلة ما وراء الطبيعة، الذين لم يجدوا فى العمل التليفزيونى سوى نسخة مشوهة من الخيال الذى عاشوه بين صفحاتها، تلك الصفحات التى حلق بهم مؤلفها فى عالم من الخيال الرحيب على مدى واحد وثمانين جزءًا هى عدد أجزاء السلسلة.

وجد الكثيرون أن المخرج “عمرو سلامة” قد قام بتشويه العمل وتسطيحه إلى حد التفاهة والسذاجة فى نفس الوقت، بل اعتبر البعض أن المخرج وفريقه قد شوهوا الشخصيات الرئيسية والأحداث التى طالما عاشوا معها فى عالم من الخيال وتمادى البعض فى اعتبار أن العمل ليس له أية علاقة بسلسلة ما وراء الطبيعة إلا بالاسم فقط وان الجهة المنتجة قد استغلت شهرة الكاتب الكبير وشعبيته الكاسحة فى خلق إقبال لعمل أقل ما يقال عنه انه ضعيف.

على الجانب الآخر جاء الثناء من العديد من الأصوات المتعقلة التى رأت أن العمل جيد بشكل كبير فى ضوء الإمكانات المتوفرة لتنفيذه من ناحية والحبكة الدرامية لسيناريو الحلقات التليفزيونية بشكل عام، وبصفة خاصة كان هناك ثناءً كبيراً على أداء الفنان الجميل “أحمد أمين” الذى انتقل به ذلك العمل إلى أفاق جديدة ونجح فى تقديمه بشكل حقيقى مظهراً الموهبة الحقيقية التى طالما اختفت خلف القناع الكوميدى الساخر الذى عرفه به جمهوره منذ بداياته المبكرة وحتى الآن.

نجد أن الكثيرون تناسوا فى غمرة الإعجاب أو الرفض أن العمل الفنى حتى وإن كان مقتبسًا عن مصدر أدبى ، يظل جنساً قائماً بذاته ، لا يعبر إلا عن رؤية المخرج الذى قدمه ، وتلك هى الإشكالية الكبرى التى وقعت فيها معظم الأعمال المأخوذة عن أصل أدبى سواء فى السينما أو عند تحويلها إلى التليفزيون بداية من رواية “زينب” التى صدرت عام 1913 للكاتب “محمد حسين هيكل” والتى تم تحويلها إلى أول فيلم مصرى صامت عام 1925 للمخرج “محمد كريم” وحتى أفلام مثل “رد قلبى ولا أنام” وغيرها من الأعمال التى جاءت “سلسلة ما وراء الطبيعة” فى نهاية القائمة الطويلة لها.

أما عن أكثر ما أثار دهشتى بشكل كبير هو تعليق البعض على سذاجة ذلك العمل وأن الأحداث أو الثيمات المقدمة لم تحمل جديداً من قصص الرعب المنتشرة مؤخراً !! وما غاب عن رؤيتهم أن الأحداث التى كتبها الدكتور “أحمد خالد توفيق” فى الفترة 1993 وحتى 2014 حملت خيالاً خصباً فى وقت لم تكن انتشرت فيه الأفلام الهوليودية الحديثة التى عشقها كل من تربى على تلك السلسلة وبات يحفظ تفاصيلها ، لقد كانت تلك السلسلة رائدة بحق فى وقت صدورها، وغزت خيال الملايين بعوالم خفية صاغها كل قارئ منهم بطريقته الخاصة فى مزيج مميز مع خيال المؤلف وتفاصيله.

لا شك أن الدكتور “أحمد خالد توفيق” يحظى بشعبية كبيرة بين جمهوره الذى يدافع عنه بقوة قد تصل إلى القسوة أحياناً ، فالعمل الذى قدمه المخرج “عمرو سلامة” جيد إلى حد كبير ، ونجح فى نقل جزء من تراث ذلك الكاتب الكبير المحبوب إلى جمهور لم يقرأ له أبداً ، بل أنه خلق إقبالاً على شراء المجموعة الكاملة للسلسلة أو تحميلها عن طريق المواقع المختلفة ، ولا يجب الاستسلام لجلد الذات المنتشر فى ثقافتنا العربية ، تلك العادة التى تحبط أى محاولة للإبداع أو لتقديم رؤية مختلفة عن المألوف ، والتمسك بالثوابت بشكل أعمى بدون سعة أفق ورحابة صدر تتيح أن يخرج المبدعون علينا بجديد كل يوم. وحتى إن كانت التجربة تحتمل النقد – وهو مشروع بلا شك ومستحسن أيضاً – لكنها تظل تجربة فنية ، قائمة بذاتها ولا يجب أن يتم التهوين منها .. فلعلها تكون خطوة فى سبيل المستقبل وحافزاً لأخرين لخوض تجارب جديدة قد تكون أكثر نجاحاً فى المستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed