همسه

يونس| قداحة

ناجي شاهين

جلست على مقعد خارجي بقهوة بسيطة منتظرًا قدوم صديقي يونس، ليأتي نحوي ووجهه يحمل كل آثار مصاعب اليوم، وجلس إلى جانبي بعد إلقاء التحية وطلب قهوته السادة المعتادة، ظل صامتًا لما يقرب العشر دقائق لتتحرك شفتاه بالحديث دون رغبة منه في ذلك، ودون أدنى مقاومة من نفسه لمنع نفسه من الحديث إليَّ.

وأنا أعرف مسبقًا ما سيقوله، وفيم شكواه، فقد خاض يونس وأنا  “كمستمع” أسوأ علاقة في تاريخ البشرية، علاقة كتلك العلاقات التي تجلب المرض ولا يمكننا الاستغناء عنها، كعلاقة المدمن بالمخدرات، تدمر جسده وماله وهو يعلم ذلك، ولكن يحول إدمانه دون الإقلاع عنها.

تحدث يا يونس علك تفتت ما يغلف قلبك من ألم، تحدث يا صديقي ولن تجد مني إلا مستمعًا لكل ما يرغب لسانك في الإفصاح عنه، تحدث.

” قررت بالأمس الإقلاع عن التدخين، لا، لاتضحك هذه لا رجعة فيها، هذه المرة مختلفة، ليست كسابقاتها فعزيمتي هذه المرة وصلت لعنان السماء، سأبتعد عن كل ما يجعلني أدخن، ولاحظت أنني إذا تجنبت المزاج السيء والإزعاج، لن يكون صعبًا علىَّ الإقلاع عن التدخين، فأنت تعلم أن أكثر الأوقات التي أرغب فيها بإشعال تلك الأصابع الصغيرة، هي حين أصاب بالإحباط أو الضيق، وكان قرارًا جيدًا، إلى أن قابلتها في مقهانا المعتاد فتحول كل شئ إلى نكد، سيمفونية من العتابات والشكوك التي لا محل لها من الإعراب، وكأن الضغوط التي أمر بها لا تكفيها فتريد تقييدي بآلاف من الضغوط من صنع يديها.

حاولت أن أكون إيجابيًا فغازلتها، كلمات لو سمعها “نزار” لأمسك بقلمه وأقسم على ألا أقوم من مجلسي حتى أعلمه إياها، ولكنها لم تتزحزح عن موقفها في إفساد حياتي.

لماذا لا أنهي العلاقة وأضع حدًا لآلامي؟، حاولت كثيرًا ولكني أظل أعود، كالطفل الذي يهدد بالرحيل ويختبئ خلف الباب.

وبعد ساعات من الجحيم الهادئ، ثار البركان بداخلي وتصاعد الدخان إلى رأسي، وبذكر الدخان تلهفت أصابعي لاحتضان أحدى تلك الشياطين الملفوفة كميدان من الصخب، فقمت مبرقًا ومرعدًا تاركًا لها المقعد الخالي لتكمل تنغيص حياته، واتجهت رأسًا إلى أقرب “كشك سجائر” واشتريت باكتة من نوعي المفضل، بينمًا شرعت أصابعي في تعريتها بلهفة لأخرج واحدة بضربتين متتاليتين على ظهر العلبة، ثم أخرجت قداحتي من جيب سترتي وأشعلت النار في رأسها وشددت أول الأنفاس ثم أخرجته وأنا أراقب الدخان يلتهم “السيجارة” مع كل نفس أسحبه، ولم أستفق إلا بعد أن أشعلت نصف دستة، فخرجت بقرار جديد.

قررت أنا رئيس جمهورية نفسي والقائم بأعمال جسدي، أن الطريقة الوحيدة لإنهاء البؤس المخيم على حياتي، هي إنهاء تلك العلاقة المدمرة وإلى الأبد.

بعد أن انتهى صديقي يونس من كلامه، أمسكت هاتفه المحمول، وقلبت في الأسماء التي بجهات اتصاله، فوقعت عيني على “اسمها”  وهو ما كنت أبحث عنه، فوجهت الشاشة أمام عينه وإصبعي يشير إلى “اسمها” قائلًا: لم تحتفظ بالقداحة، إذا كنت قد قررت الإقلاع عن التدخين؟.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed