خواطر

بين سن العشرين والعاشرة

كتبت: أميره هشام

أفتقد تلك الأيام التي لم أحمل بداخلي فيها سوى بعض الأمنيات الساذجة والبريئة، تلك الأمنيات التي كانت حينُها تقتصر حول حصولي على مزيد من الحلوى، ذهابي عند بيت جدتي، ومشاهدة سبيستون وبابار الفيل الذكي!.

عندما كانت التفاصيلُ لا تعنيني والمواقف تعيرني وأضحك علي أبسط الأشياء وأحب الحديث مع الأصدقاء، حينما كنت ألهو مع أطفال حارتِنا دون ملل، يا الله لا شيء يرهق تفكيري ولا أعرف عن المستقبل سواء حديثنا مع الأصدقاء “صديقتي ماذا تحبين أن تصبحي عندما تكبرين، أود أن أكون دكتوره ومهندسه ومدرسه، الثلاث؟!
نعم حتى حينما أمرض أستطيع علاجي بلطف وسأقضي على كل الإبر والدواء اللاسع بالعالم حتى لا يشعر الأطفال بالذعر مرة أخرى حين تناوله، وأود أن أصبح مهندسة حتى أبني بيتاً لصديقتنا مريم التي هُدم بيتُها ويمسكون الآن بحجره واحدة هي وأسرتها، كما أنني أود أن أكون معلمه حتى أستطيع أن أصل لرتبه مديرة فأقضي على معلم اللغة العربية الذي يستمر في معاقبتنا دون سبب وسأجعله يرفع يداه بطابور الصباح كل يوم ليكون عبرة لغيره”.

أشتاقُ لبراءة عيناي حينما كانت تنظر للسماء ليلاً لتبدأ بحصر النجوم، كُنت أعجز عن حصرها بعقلي الطفولي البريء كنت أذهب وأُحضر كراستي وقلمي وأكتب ما توصلت إليه لكن النعاس يغلبني وتحملني أمي كالعادة، لأستيقظ علي عجزي عن عدها وأقول في نفسي اليوم سنكمل لكنني أفعل نفس العادة مجدداً وأستمر رغم فشلي بحصرها علی أملٍ أنني بيومٍ سأستطيع.

كُنت أسعد بقدوم العيد لا أعتقد أنني نمت ليله كان صباحها عيد كنت أظل طوال الليل مستيقظة أتأمل ملابسي الجديدة كنت أغنى دائما؛
“أقبل العيد فأهلاً بتباشير السعود … قد نعمنا بسرور ما علينا من مزيد … وحبانا أبوانا بالهدايا والنقود … وخرجنا نتحلى فيه بالثوب الجديد … ومضينا بالتهنئات لقريب وبعيد”

كنت بسيطه وبعيده عن كل هذه التعقيدات التي أنا عليها الآن الفيصل بيني وبين طفولتي زمان، زمانٌ مليء بالتعرجات والكسور القادرة علی محو كيان بأكمله لا لطفولة اشتاقت روحي لجذورِها.

هناك على الضفاف البعيد يقف كيانٌ هو فی الحقيقة مجرد انعكاس لي علی هیئه طفل كلانا يقابل الآخر بيننا مسافة كبيره لكن لا أعتقد أن أرواحنا تناقضت لازلنا روحٌ واحدة روحٌ اجتمع فيها الحُلم والصبر والسذاجة وأحلام اليطوبيا السارحة لازلتُ أتوهم فی كوني أستطيع إصلاح معلمي الذي كان ينتهج الأساليب المتخلفة بالتدريس، لازلتُ أحاول اختراق العاداتِ والتقاليد المجبولة على إعتاقنا.

أنا وكياني الطفولي الكائن على الضفاف البعيد لازالت أرواحنا تشتاق لأصولها العتيقة، لكن عقائدنا تسكعت فی غير مرادها وأرهقتها تلك الفواصل الزمنية وفصلتها حسبما تهوي فغدونا نتشكل علي هوايتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed