همسه

أحمر شفاه

كنت قد انتهيت من يوم عمل شاق، وعزمت أخيرًا على الذهاب لبيتي لرمي جميع آلام يومي فوق وسادة سريري التي لا يحتويني غيرها.

ركبتُ سيارة من السيارات التي تحمل داخلها أربعة عشر راكبًا والتي يطلقون عليها “الميكروباص”، وجلستُ في آخِر كرسي في السيارة، وكان لا زال هناك مكانين فارغين بجواري.

ركبت فتاتان يبدو عليهما من شكلهما أن عمرهما لم يتعدَ العشرون عامًا، وكانت أحداهما على عجلة من أمرها بسبب أن والدتها تنتظر منها أن تحضر إليها الباذنجان في طريق رجوعها إلى المنزل.

بدأت السيارة بمغادرة الموقف، وأغلقت هاتفي مع بداية ارتطام الهواء المنعش بوجهي، وأغمضت عيني حتى أستطيع أن أدخل في سكون الرحلة، حتى قطع حبل أفكاري حديث الفتاتان المزعج عن شابان قد قاموا بمقابلتهم اليوم في حدث تاريخي لا يحدث إلا مرة واحدة في العمر.

وبين التنمر والإعجاب على الشابان الذي لم ينالا هذا النصيب من الاغتياب، إلا بسبب أنهم قد وقعوا فريسة لأنياب طفلتان صغيرتان يبحثان عن تسلية لوقتهم وتقضية وقت جميل، فتحت عيني لأجد مهزلة من نوع آخَر.

كان هناك صور لهم مع هذان الشابان على هواتفهم المحمولة ويتم تبادلها فيما بينهم، وبينما تقع عيني بدون عمد على صورة من تلك الصور، رأيت أمامي أحداهم تمسح “أحمر الشفاه” الذي تضعه بحجابها، غير أن أحمر الشفاه كان واضحًا كوضوح الشمس في الصور التي يقومون بتبادلها.

تساءلت بيني وبين نفسي، لما كل هذا العناء الذي تبذله لإخفاء علاقة بينها وبين شاب قد يكون أكبر منها في العمر، إلا أنها مجرد علاقة عابرة محكوم عليها بالفشل؟
أين أهلها الذين تركوها في هذا السن الصغير لتكون مطمع لشاب يوهمها بأنه سيستطيع احتواءها بدلًا منهم؟
لماذا أصدقائها لا يملئون لديها الشعور بالانطلاق والحيوية لتعيش عمرها بدلًا من الانغماس في علاقات أكبر من سعة تفكيرها ولن تعود عليها بالنفع في شيء؟

إن شبابنا اليوم يعيشون في أعمار أجدادهم، فتجد الشاب لديه عشرون عامًا ويعيش بحياة رجل لدية خمسة وثلاثون عامًا، وعندما تسأله ما الذي أتى بك إلى هنا؟، يجيب مبتسمًا “الزمن”.

أي زمن وأي حياة تلك التي تجعل شاب يتخلى عن حلمه وعمره بسبب طاحونة لن تفيده في شيء سوى أنها ستسرق منه أجمل لحظات حياته، ليعود متندمًا على ما فاته وهو يدور في تلك الساقية محاولًا السعي وراء أشياء لا يرغب فيها كونها مفيدة لرقي المعيشة والحالة المادية فقط ليس إلا.

إن التخلي عن رغبتك الشديدة وحبك لشيء سيضعف من سرعة توجهك لهدفك، وسيصنع منك إنسانًا فاشلًا غير أنه سيحيدك تمامًا عن الطريق الذي ترغبه، لتجد نفسك في النهاية شخصًا يعيش بـ”روتين يومه المعتاد” خاسرًا هدفه وعمره وأسعد لحظات حياته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed
error: Content is protected !!