رسائل قلبية

طعام أمي

✍️ هاني منير

ما مِن مرةٍ وجدتُ أمي تُخيّب ظني حتى في أبسط التفاصيل اليومية، دومًا أجدها حاضرة بقوة جمالها وسحر إبداعها، وروعة تجليات حبها الساحر، وعطاء قلبها المتدفق السخي جدًا.
قديمًا قال عنها الشاعر أحمد شوقي: “الأمُ مَدرسَةٌ”
نعم هي مَدرسَة حب وعطاء متدفق لا ينقطع، ولا يطاله تسارع الزمن ليُطفئ توهجه الدائم.

عندما تمسك أمي بشيءٍ جامد ميت فإذا بها ترد له الروح وتُعيد له الحياة، فالإنسان يفعل ويُعطي ما هو كائن فيه، يمنح من ذاته و أعماقه، وأعماق أمي دائمة الغِنى والتجدد، روحها تسبح دومًا في آفاقٍ خاصة ومعالم جمال مدهشة لا تفقد بريقها ورونقها فتُعطي العالم مذاقًا فريدًا، فكل ما هو عادي عندما يقع في يديها يتحول إلى استثناء بديع فوق العادة، كعادة إبداعها الذي لا يفتر ولا ينقطع.

عندما تجدني جائعًا لا تسألني لتعرف؛ فقلبها دليلها على الدوام ودليل القلب أعظم من كل أدلة وبراهين العقل، فمنطق القلب يفوق كل منطق عرفته البشرية على مر عصورها وأزمانها المتعاقبة.
أراها حبًا حيًا لا يكل ولا يمل، تحملني في أعماقها الخاصة جدًا وتغوص بي لمواطن جمالها وعالمها الاستثنائي برائحة ونكهة حضورها وحبها قبل طعامها.

أنتِ يا أمي مقطوعة موسيقية لا تمل أُذُني مِن سماعها.
أنتِ يا أمي فُقتِ كل معزوفات ومقطوعات “بيتهوفن”
أنتِ يا أمي أنشودة غنائي.
أنتِ يا أمي أيقونة حياتي.

طعام أمي لا يضاهيه طعام؛ ومذاقه لا يضاهيه مذاق فهي بارعةٌ في الطهي، لا لكونها قديرة في فنه؛ ولكن لكون حبها قديرًا جدًا في حضوره وبريقه الخاص جدًا.
الجميع يعمل ويحاول أن يُحِب ما يعمل، ولكن أمي دومًا تُحِب فتعمل وتُبدع، فطاقة حبها لا تنفذ ونبع إبداعها لا ينضب.
لقد قال عنها جبران خليل جبران: “كل البيوت مظلمة إلى أن تستيقظ الأم”
أمي ثم أمي ثم طعام أمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed
error: Content is protected !!