همسه

وقد كاد يفنى

✍️ مودة محمد مصطفى

“لم أستطع إكمال الطريق، لم أستطع المواجهة، فأنا أجبن مما تظنون، أسف لأنني خذلتكم، أسف لوجودي في حياتكم”.

أمسك بتلك السكين وفي أقل من ثانية كانت الدماء تتدفق من عروقه مُعلنة عن فناء روحه التي ظلت حبيسة كل تلك السنين، نبضات قلبه قلت، تنفسه أصبح صعبًا، شعر بدوار شديد أسقطه أرضًا، وفجأة أصبح كل شيءٍ مظلم!

• أين أنا؟
• أنت في المشفى، لا تقلق ستكون بخير.
• من أحضرني إلى هنا؟
• أنا.
• رضوان؟!
• أجل، صديقك رضوان.
• ماذا فعلت بي؟ لماذا لم تتركني أموت؟
• عندما تعلم قيمة حياتك الحقيقية؛ لن تُنهيها أبدًا بتلك الطريقة.

ومن هنا بدأ كل شيء.

“حين تعطيك الحياة فرصة أُخرى، كن مستعدًا لدفع ثمنها”.

منذ ذلك الحادث وقد تحسنت علاقتي برضوان على نحو لم أتوقعه.
• رضوان.
• نعم يا حازم.
• كيف عرفت؟
• عرفت ماذا؟
• أنني مُقبل على الانتحار؟
• أنا لم أعلم، فقط شعرت أنني أود رؤيتك، وظلت أبحث عن مفتاح شقتك الذي أعطيتني إياه أيام الجامعة، وعندما وجدته جئت إليك على الفور.
• رضوان؟
• نعم يا حازم.
• شكرًا لإنقاذك حياتي.

بعد شهرين

• رضوان أين أنت؟ أريد أن أقابلك ألو، رضوان ماذا حدث؟ أتسمعني رضوان؟!، ماذا حدث له يا دكتور كيف حاله الآن؟
• أنا آسف ولكن صديقك يعاني من سرطان الدم، وحالته تزداد سوءًا يومًا بعد يوم، أنا أسف ولكن تأخرتم كثيرًا.

خرج حازم من غرفة الدكتور وهو لا يدري ماذا يفعل!.
صديقه الذي أنقذ حياته منذ شهرين يوشك أن يفارقها، وكأن الحياة تنتقم منه على ما فعل ليشعر بقيمة ما كان يملكه.

• رضوان لما لم تخبرني؟
• حين جئتُ إليك ذلك اليوم ووجدتك غارق في دمك، شعرت وكأن الحياة تبعث لي رسائلها الأخيرة فمن أنا لأقف أمامها؟!
• لا تقلق يا رضوان سوف تُشفى وتعود أفضل مما كنت عليه حتى.
• حازم.. سأُخبرك بشيءٍ لم أُخبر به أحدًا من قبل؛ ليبقى سر بيننا، دائمًا كن على يقين أن الله لن يضيعك أبدًا، كن مع الله يا حازم، كن مع الله.

اخترقت الكلمات قلب حازم بشدة، وكأنها الصفعة التي أفاقته من غيبوبته “يا الله!، كنتُ على وشك إنهاء حياتي غير مُبالٍ بعقابه، كيف فعلت ذلك؟ كيف؟!”.

وبينما رضوان يحاول إكمال كلامه إذ بنبضات قلبه تتسارع ليهرع حازم إلى الأطباء ليأتوا محاولين إسعافه.
نبضه ينخفض تدريجيًا إلى أن توقف!
صفييييير.

وقف حازم خلف زجاج الغرفة يبكي والأطباء يحاولون.
مرة أُخرى “هيا”.
صدره يعلو ويهبط بلا أي استجابة لمحاولات الإنقاذ، مرة أُخرى يحاولون، مرة بعد مرة.

وفي هذه اللحظة تذكر حازم ما قاله له رضوان وصرخ بأعلى صوت ممكن “يا الله!”.
وفجأة… عاد النبض أخيرًا، بعدما فقدوا الأمل.

سقط حازم أرضًا محاولًا تمالك نفسه ونظر إلى السماء وأجْهش بالبكاء.

بعد أسبوع أفاق رضوان من الغيبوبة.

• الحمد لله على سلامتك يا أخي.
• أين أنا؟!

ضحك حازم وقال “أنت حيث من المفترض أن تكون”.

كانت تلك الحادثة بمثابة الأمل، الأمل الذي ظن أن لا وجود له، كان هو طوق النجاة الوحيد.

بعد شهرين


ظهرت نتائج تحاليل رضوان الأخيرة ليستدعي الطبيب كل من حازم ورضوان إلى غرفته قائلًا “لا أعرف ماذا أقول؟ ولكن تشير التحاليل إلى عدم وجود أي خلية سرطانية في دم رضوان مُطلقًا”.

نظر رضوان إلى حازم بذهول، ولكن يبدو أن هذا الأخير كان متوقع ما حدث؛ فلم يبدُ عليه أي علامات ذهول فقط ابتسم وهو ينظر إلى رضوان بفرح بالغ.

بعد خروجهم من المشفى استوقفه رضوان وقال “لم أشعر أنك مذهول مما قاله الطبيب، أكنت تعلم أنني سأُشفى؟”.

• نعم، بل كنت على يقين تام بذلك، وكل صلاة كنت أُصليها خلال الفترة الماضية لم أركع ركعة واحدة إلا وأنا واثق.
• واثق من ماذا؟
• أن الله لن يخذلنا أبدًا.

ضمه حازم بشدة وقال “كان أملي بالله أكبر من مرضك، وأكبر من ضعفي، وأكبر من كل شيء”.

بعد سنتين من هذه الواقعة أقبل الجميع بالتهاني والمباركات لمولد طفلتان أدخلتا على قلب والدهما حازم ورضوان السرور بعدما قرر كل منهما الزواج وتكوين أسرة، أنجب حازم فتاة جميلة أسماها حياة، ورضوان أنجب فتاة أسماها، أمل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed