قصص

العائدون من الموت

شريف جلال القصاص

هل قابلت أحد عاد من الموت؟ هل لنا فرص في حيوات متعددة؟ أما أنها حياة واحدة يتحدد على إثرها مستقبلك السرمدي الأزلي؟
يبدو أن “رياض القط” لم يخطر على باله تلك الأسئلة، ولم يهتم بالوصول لإجابتها الحتمية.
ربما ظن أن اسم القط سيمنحه سبعة أرواح! لكن الكل يعلم أن ليس للقطط غير روح واحدة.
لكن من هو “رياض القط” هذا؟ ليس مهمًا فقد يكون أنا أو أنت.

اعتاد “رياض” أن يُحدث روحه يُصبرها، يُواسيها، يستعطفها أن تبقى في جسده، يشعر أنها ليست سعيدة في البقاء داخله.

في ذلك اليوم كان يحدثها لكن حديثه كان مختلفا ومفزعًا، قال لها:
“ماعدت أستطيع مواساتك عن سنين مجدبات مرت علينا معًا، سأكون صادقًا معك لأول مرة، لن يكون هناك غد أفضل، بل لن يكون هناك غد؛ وصلنا إلى نهاية رحلتنا البائسةَ؛ سنفترق حيث لا لقاء في هذا العالم الغشوم”.

روحي الغالية:
لا تحسبي أني أتخلى عنك بغضًا لك أو زهدًا فيك، فأنا
ما أحببت أحد مثل حبي لكِ، بحثت عن كل متع الحياة لتهنئي، نأيت عن كل خطر خوفًا من فقدك.

أيتها الشفافة:
أثق أنك لن تثرثري بين أقرانك عن أسراري، لن تخبريهم عن ضعف وفشل صُبَّ في قالب من لحم ودم؛ ليصيرا جسدًا، لن تحكي عن ذلات وعثرات هي خلاصة أيامي، لن تقصي عن حزنِ سكن ذاتي وتخلل في ذرات كياني، فربما لو مُسح الحزن من حياتي ماتبقى منها غير سويعات.

روحي المسكينة:
سأعلن ختام تلك الرواية الهزلية، سيموت بطلها بل سيتأكد موتٌ عاشه طوال عمره؛ فهو في قبر فوق الأرض منذ مولده، تبدو حالته كجثة تأكلها ديدان اليأس وتمزق أوصالها تراب الحزن.

أيتها الأبدية الخالدة:
يا من تسكنين ذاك الجسد الفاني سوف أطلق سراحك؛ كفانا وعود كاذبة بسعادة تطل علينا يومًا مثل نسيم يجافي عنا ما عانيناه.

كانت روحه تستمع إليه، تسكن بعض الأحيان وتضطرب أحيانًا أخرى، كانت تدرك أنه أجبن من القيام بتلك الخطوة.

في غفلة من روحه وربما في غفلة من ذاته، امتدت يد شيطان تلبَََّثت به ومزقت شرايينه، لم يكن أمام روحه غير لحظات لتغادر جسده، لملمت ذاتها وانزوت بعيدًا وكأنها تأبى الرحيل، خوفًا من مصيرها المحتوم.

شعر فجأة بمن يسعفه لابد أنه في مشفي، يبدو وقع ذلك الصوت جهاز قياس نبضات القلب الجهاز الأهم في حجرة العناية المركزة لايزال على قيد الحياة، لم يكن القطع في معصم كفه غائر بما يكفي لإنهاء حياته، لكنه يعاني الاحتضار بالفعل.

كان يظن أن الموت سينقله على جناح السرعة إلى العدم دون محطات، سمع صوت ثرثرة بالقرب منه، يبدو الصوت مألوفا، إنهم بعض أقاربه يستغلون حالته؛ يراجعون معلوماتهم الدينية، يناقشون مصيره.

قال أحدهم وهو يكسب صوته مذاق حزن مفتعل:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيهاخالدا مخلدا فيها أبدا، ومن تحسى سما فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن قتل نفسه بحديده فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا”. 

قال لنفسه: هل كنت غبي كل هذا الغباء؟ أردت أن أخلص نفسي وروحي من عذاب محدود في الدنيا، واستبدلته بأضعافه سرمديًا، لقد عدت في قراري لم تكن حياتي بائسة بما يكفي لأفرًَ منها إلى الجحيم، بل كان فيها ما يستحق أن أحيا من اجله، لقد مرًَ بي مايدفعني إلى احتمال أضعاف ذلك الكدر من غير شكوى أو تأفف.

نادى بغير صوت:
روحي .. أين أنت ؟ في أي خبايا نفسي اختبئتِ؟ نحن في خطر لايمكن وصفه، نحن نهوي نحو الهاوية، نتلاشى مثل تماثيل شمع تذوب في فرن غاز رعيب.

حاولت روحه أن تنتبه وتستفيق؛ فقد كانت مثله تستشعر الخطر وتقاوم الفناء.

يلَ الأسف يبدو أنه قد فات الأوان، وها هو خط نبضات القلب ملّ من التردد بين الصعود والهبوط
_ والتي هي ديدن الحياة بل الهدف والغاية منها _ واقترب من اختيار الثبات في خط مستقيم ليعلن الموت.

لم يبقَ له غير لحظات يودع فيها روحه ويودع تلك الحياة، ياحسرته سيفقد حياته وبإرادته بعد أن أدرك أخيرًا الغاية منها، تمنى لو كان له لحظات يتوب فيها، يحذر كل ناقم على حياته وقرر التنازل عنها، يعلن للجميع من العالم الآخر أن الحياة تستحق أن تعاش مهما كانت.

رن صوت جهاز نبضات القلب واكتملت استقامة خطه، سلام على الدنيا ومن فيها، رحماك ربي فقد ندمت.
لكن ماهذا؟ إنه صوت المنبه، فتح عينيه وهو يصرخ أخذ نفسًا عميقًا كان كمن نجا من الغرق، ، ضحك مثل طفل وجد أبويه، بكى من أعماق روحه من الفرح، خرج من بيته مبتسمًا في طريقه لأخذ جرعة الكيماوي، تجدد أمله في الحياة كان يشعر بسعادة من عاد من الموت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed