ابداعاتهمسه

دُيُونكَ المَخفِية

منذُ فترةٍ وجيزة أُجبرتُ على مساعدة أختي الصغيرة في حلِّ واجبِ الرياضيات -لا أخفيكم سرًا عن مدى كرهي لتلك المادة المعقدة- جلستُ بمللٍ أشرح لها طريقة الحل الصحيحة، فتُكَرِّرُ على مسامعي الجملة المعتادة “مش فاهمة” طفح الكيل…هذه المرة العاشرة التي أوِّضح لها نفس المسألة وتقول بكل سذاجة أنها لم تستوعبها. هممتُ بالصراخ عليها فانكمش وجهها وتراجَعَت للوراء واضعةً يدها على وجهها اتقاءً لبطشي…توقَفَت يدي في منتصف الطريق إلى وجهها، وتذكرتُ أمي التي لم تمل من تكرار الشرح مرارًا ولا تتركني إلا بعد أن تترسخ المعلومة بذهني.

شعرتُ بالخجل، لماذا لم تقسو أمي عليّ؟ كان باستطاعتها أن تَصُبَّ جام غضبها عليّ كما فعلتُ مع أختي الآن.

مرَّ بخاطري موقف مشابه سأختصره لكم.
كنتُ أقرأ إحدى الكتب ولفت انتباهي قصة كاتب أمريكي يعشق الحلوى…كانت أسرته فقيرة بحيث لا مجال لتحَمُّل الرفاهيات كالحلوى. كان ينظر لمتجر بيع الحلوى بنهم ويحلم بالدخول لتلك المدينة السحرية المليئة بقلاع الشوكولاتة وجبال الكريمة التي يقف الكرز -المكسو بالسكر- شامخًا على قمتها…

ظل يدخر ويدخر؛ ليستطيع العبور لذاك العالم السحري، فلكل شيء ثمنه. وبالفعل، في أحد الأيام تحقق حلمه وادخر مايكفيه ودخل بثقةٍ ليطلب كل ما يشتهيه من الجاتوه المغلف بالشوكولاتة وتماثيل الحلوى وقطع النعناع الحارة وغزل البنات الطازج…إلى أن انتهى به الأمر إلى اقتناء أطنان من الحلوى المختلفة.
سأله صاحب المتجر في دهشة: “هل معك ما يكفي من النقود؟”
أجاب الصغير -ذو السبعة أعوام- في ثقة: “نعم”. ومد يده في جيبه وأخرج كل ما معه من مال -وكان عبارة عن البلي الملون- ووضعه في يد البائع وقال ببراءة: “هل يكفي؟”
صمت الرجل قليلًا وقال بحشرجة: “أجل، ولك باقي”.
ثم وضع في يد الصغير بعض العملات النقدية، فحمل الأخير كنزه الثمين وذهب فرحًا بِحلوَاه.

مرت الأعوام وشَبَّ صغيرنا وتزوج. بدأ بشق طريقه نحو الحياة؛ بفتح متجر لبيع أسماك الزينة، وكانت مرتفعة الثمن بعض الشيء.
وفي منتصف النهار وقف طفل في الخامسة يرمق الأسماك وعيناه تكاد أن تخرج القلوب -إن صح التعبير- وبجواره أخته التي تكبره بعدة أعوام. وبلا تردد أمسكت الطفلة بيد الصغير وقالت لصاحب المتجر: “أريد بعض الأسماك لأخي”.
فتقدم الرجل وهو يشعر أن هناك شيء مألوف، تجاهل الأمر وساعد الصغيران في اقتناء الأسماك.

نظر لدلو الأسماك الممتلئ بشيء من الحذر وقال: “يجب أن تعودي للمنزل بسرعة وتضعي الأسماك في ماء وفير، وأتمنى أن يكفي مالكِ لتغطية هذه الثروة الصغيرة.
تفقدت الطفلة جيوبها وقالت بثقة مطلقة “بالطبع معي، ضع هذه أيضًا وهذه”.

في النهاية جمع ثمن الأسماك التي طلبتها وفوجئ بأنها تمثل خُمس رأس ماله تقريبًا. أخبرها بالرقم، وبدا أنها لم تدرك معناه أصلًا. وَضَعَت على الطاولة الكثير من حلوى النعناع وسألت ببراءة: “هل يكفي؟!”.

ارتجفت أوصاله وتذكر كل شيء…متجر الحلوى السحري، الطفل ذو السبعة أعوام، البلي الملون، صاحب المتجر…آه، كيف شعر صاحب المتجر وقتها؟ لقد كان موقفه حساس جدًا، ومع ذلك راعى براءة الطفل ولم يخدش مشاعره. وبكل ثقة قَبِل صاحبنا حلوى النعناع -كما قبل صاحب متجر الحلوى البلي- وقال للصغيرة بحشرجة: “أجل، ولكِ باقي”.
ثم وضع في يدها بعض العملات المعدنية، فشكرته وغادرت.

كادت زوجته أن تفقد وعيها من هول الصدمة! لقد ضاع خمس رأس مالهما هدرًا. هَمَّت بالصراخ في وجه زوجها فأسكتها بإشارة من يده وقال وهو يخلع نظارته ويمسح دمعة فرت بجانب عينه: “اصمتي، لقد كان دينًا عليّ منذ خمسة وعشرين عامًا، وها أنا أسدده الآن”.

هل سرت القشعريرة في أوصالك؟ إن كانت إجابتك “لا” فأنت حتمًا بك خطب ما.

عاودتُ الإمساك بالقلم والكتاب وأجلستُ أختي على قدمي وبدأتُ الشرح بطريقة أخرى، ولم أتركها إلا بعد أن استوعبتْ الدرس.

جميعنا نحمل على عاتقنا الكثير من الديون التي علينا تسديدها، كل ما فعله من هو أكبر منا يجب أن نفعله مع من يصغرنا…أتدري لم؟ لأن كل ما ستفعله معهم سيفعلونه مع من هم أصغر منهم.
لا تظن أن الأمر هيِّن، أنت تبني جيلًا كاملًا، فاحرص على إتقان وضع لبناته وأدِّ دَينَكَ على أكمل وجه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed
error: Content is protected !!