قصص

مذكرات إميليا

آلاء أحمد

أنا جاك رجل في مُنتصف الثمانينات، تزوجت زواجًا تقليديًا ولكن زوجتي كانت امرأة حنونة، قلبها محيط من الحب والحنان، تُوقظني صباحًا مع ابتسامة مشرقة، لأجدها انتهت من تحضير الفطور، نتناول فطورنا مع قليل من الابتسامات مني والاستماع إلى حديثها الذي لا ينتهي، أستمع إليها دون ملل، لقد نجحت في جعل قلبي يعشقها، عشنا معًا ثلاثون عامًا، لم نُرزق بأطفال ولكنها كانت طفلتي الوحيدة والمدللة، لم أشعر بالوحدة قط وكنت أظن أنها كذلك، ولكنني كنتُ مخطئًا.

اكتشفت خطئي ذاك بعد وفاتها ببضعة أشهر حين وجدت دفتر مذكراتها، إنها المرة الأولى التي أراه فيها، ولكنها دوَّنت فيه كل حياتها مُنذ كان عمرها ست سنوات، قد تتعجبون ماذا تحوي حياة طفلة عمرها فقط ست سنوات، ولكن مذكراتها تلك كانت تُشعرني بأنها مازالت معي، أسمع همساتها، ضحكاتها، بكاءها، حتى ما كان يدور بخُلدها عن طريق كلماتها، وكأن تلك المذكرات تسرد حياة شخص ميت لتخلد ذكراه، كانت توجد بعض الكلمات في أول الصفحات، مكتوبة بخط منمق، تبين أن إميليا دونتها في ريعان شبابها.

“أيها الدفتر أنت صديقي السري، الوفي الذي أجيش له بكل ما في قلبي دون خوف من أن تخذلني، أو أن تبوح بسري لأحد، أنت أقرب لي من هؤلاء، هؤلاء الأشخاص الذين أشعر أنهم مجرد دُمى متحركة، تُحركهم أهوائهم الخيرة، و كذلك المؤذية التي تُخيفني وتُجبرني على الابتعاد، ملجئي الوحيد هو أنت”.

“أشعر بشعور موحش، أسوأ ما قد يعيشه الإنسان أن يشعر بالوحدة وهو محاط بأشخاص يحبونه ويحبهم، أصبحت أشعر بذلك بعدما أخبرنا الطبيب أنا وزوجي أننا غير قادرين على الإنجاب، لم أسمع حديثهما بعد ذلك فقد انعزلت عنهما بمشاعري المتضاربة، لن أنجب؟ لن أصبح أُمًا؟ لن أشعر بطفل ينمو داخل أحشائي، لن أشعر بحركته أول مرة، لن أسمع دقات قلبه عبر تلك الأجهزة، لن أرى صورته الصغيرة أثناء الفحص، لن أسمع صوت صراخه للمرة الألف في نفس اليوم، لن أعلمه المشي أو نطق كلمة ماما، لن أنتظره أول يوم مدرسة حتى يأتي ويخبرني بما حدث معه هناك، لن أزوجه وأحمل أطفاله عندما يدب الشيب داخل شعري، عند هذا الحد من الأسئلة شعرت بدموعي الدافئة، ليخرجني زوجي من بئر أحاسيسي وهو يربت علي يدي ويحتضنني قائلًا: أنني أُغنيه عن العالم بأسره، ظل هكذا يهتم بي لفترة بسبب شرودي الملحوظ ولكن مع ذلك كنت أشعر بالوحدة، حتى ظهر طيف لطيف وحنون، بشرته الناعمة، شعره الأشقر، عيناه الواسعتين بلون البندق، ليملأ فراغي ويضرب بالوحدة عرض الحائط، فأصبحت أقضي معه يومي، نتحدث ونخرج ونضحك ونبكي ونلعب ونقرأ ونرسم، أصبح ملاكي المنقذ”

هُنا توقف جاك عن القراءة أكانت زوجته تخونه، لا هذا مستحيل، ولكن كلماتها تدل على، لا.. لا لن أفكر هكذا فزوجتي كانت تحبني وترعاني كثيرًا، قاطع شرودي دقات هادئة علي باب المنزل، فتحت الباب لأجد فتى صغير ينظر إلي بعينيه الواسعتين اللتان تذكرانني بإميليا، ليقول ببراءة: أتيت لأعطي لك هذه.
لأجيبه: وما هذه؟
ليرد: كعكة التفاح، قالت لي ذات مرة أنك تُحبها.
لأسأله: من؟
ليجيب: إميليا.

ليتركني في ذهولي ويهرول بعيدًا، رأيته وهو يدلف لإحدى المنازل، هذا هو إذًا ملاكها المُنقذ، نحن الرجال حقًا حقراء، بمجرد أن تستخدم المرأة صيغة المذكر تتبادر في أذهاننا أبشع الصور عن الخيانة.

أدركت لم أطلقت عليه إميليا ذاك الاسم، حينما أخذ بالتردد على بيتي كل يوم، يؤنس وحدتي، يُذكرني بها، كأنها زرعت بداخله بذرة نَمت مع الوقت، لتصبح شجرة بفروع كبيرة، أحتمي بظلالها، وتغدو علي بثمارها، وتلك البذرة هي إميليا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed
error: Content is protected !!