قصص

ما بين انعدام الأخلاق والبُعد عن الدين يخلق التنمر!

«إيه ده أنتِ مالك رفيعة كدة ليه؟، أنتِ شكلك وحش أوي، ولبسك غريب، أنتِ إزاي نجحتِ في الامتحان وأنتِ مبتعرفيش تتكلمي أصلًا!…». إلخ.
كثيرٌ من الجمل قد تُقال، وكثيرٌ من التقليل قد نلقى، ومن هنا أقول، كيف هو التنمر؟، ولمَ نواجهه وكيف نعالج الشخص المُتنمر، وكيف بعلاجه في قلب غيره، فلنرى…

ذهبت إلى مدرسةٍ ما لأكمل مشوار مهنة التدريس التي كنت أَمَلُها، كان قد تم انتقالي بعد سنوات من مدرسةٍ ريفية إلى مدرسةٍ خاصة، كانت جميلة، متناسقة الألوان والمنظر، لها نظامٍ معين، تختلف تمامًا عن مدارس الريف وغيرها من المدراس المُحيطة بها، نظرًا لُرقي المكان ممكن، أو بذل المجهود في الإصراف والبُنى، لتكون ذات يوم، بمستوى معين.

لم أشعر براحة كاملة ولكن هي مهنتي وسأكمل رسالتي مهما كانت الأسباب أمامي، ولأنني قد انتظرت كثيرًا لأحصل على وظيفتي كمُدرسة، بعد تخرجي بأكثر من عام، لذا لا مشكلة أبدًا للكفاح في أمرٍ أريده.

كنت أَدرُس للصف الخامس الابتدائي، كان الفصل مُختلطًا، ومختلفًا بعض الشيء، طبيعة الأطفال أنهم أشقاء للغاية، لكن كانوا هم أكثر من المُعتاد، فبدأت أعرفهم بنفسي.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أعرفكم بنفسي، أنا أستاذة أمل، مدرسة اللغة العربية الجديدة، كيف حالكم!، أتمنى أن نكون أصدقاء سويًا، ولنتفق على أمورٍ نلتزم بها طيلة دراستنا هذا العام، ليقف كل واحدٍ منكم وليعرفني بنفسه.
ودَدت أن يكون لقاؤنا الأول مختلف، لأرزع فيهم أصل التحية وحُسن اللقاء، وبراعة اللغة، فكان مقصدي التكلم باللغة العربية، لأرى مدى حبهم وفهمهم لها، -ولتكون هذه هي الخطوة الأولى في فكرتي التدريبية-.

منهم من فهم وأنصت بكل حب وبدأ في معرفة نفسهِ، ومنهم من ظل صامتًا، وكان من البقية ما لم يكن معنا من الأساس.

فكتبت بعد معرفتي بهم جميعًا، كلمة التنمر.

لأسألهم: يعني إيه تنمر، وليه ممكن تتعرضوا ليه، ومين فيكم هنا أتعرض قبل كدة للتنمر؟

فاستأذن أحد الطلاب ليتكلم، فسمحت له، فإذ بزميله يضحك عليه، فقولت له: بتتضحك عليه ليه؟
ليرد: يا ميس، ده أصلًا واحد فاشل، ديمًا مش بيعرف يذاكر ولا يحفظ، أحنا مسمينه هنا الفاشل، ديمًا المدرسين كلهم بيضربوه، ليكمل كلامه عن زميله بمنتهى الضحك، والسخرية…

فأكملت: وأنت ليه بتتريق عليه، هل بتعرف تذاكر أحسن منه، مستواك أكبر يعني، بتتدرس في حاجة هو مش عارف يوصلها، ولا مع بعض في نفس المدرسة والفصل، معاك كل حاجة تقدر تتصرف بيها وهو لا، مين سمح ليك تتكلم عنه بكلام يوجعه ويدايقه، أنت تختلف عنه إيه، اعتذر لزميلك عن كلامك، وممنوع هنا مانعًا باتًا أن حد يتكلم عن حد بطريقة متعجبهوش حتى لو كان إيه، لازم يكون هنا بينا الاحترام مُتبادل، أحنا زمايل وبنساعد بعض.
وأغلقت الحوار تمامًا.

لأرى زميله الآخر -المعترض للتنمر- مؤكدًا كلام زميله بصمت وكسرة، أو مستسلمًا له، فبكى؛ لِأُبادر باعتذري له أيضًا، وأجعلهما يتصافحان ويتراضيان.

وبدأت في تكملة حصتي، لاستجوب الجميع، وأرى عمق فكرهم وتعرضهم للأمر.

كان قد مر النهار طويلًا، ولكن ما لفت فكري هو تعرض ذلك الطفل الصغير للتنمر، فتذكرت وقتها صباي في أيام المدرسة، عندما تعرضت للتنمر من زُملائي وأستاذتي بأنني وبهذه العقلية لن أصل لشيء، أنا لا أعرف ما سبب التنمر، لمَ قد تخلق بضع كلمات ندبة كبيرة، وحساسة في قلب الآخر، لمَ قد نُعامل الناس أو الأطفال بمنتهى الإساءة، بسبب التنمر!

التنمر ليست قضية سهلة، هي شائكة وستظل شائكة، طالما لم يكن هناك تربية كفاية تلِزم الطفل بالتحدث بأدب، وتُخضع الطفل على احترامِ زميله، يَنشأ التنمر بسبب عدة أمور، أرى أنها سببًا كبيرًا في الوصول إلى هذه الشخصية المريضة بالتنمر، أولها مثلما ذكرت آنفًا، وهو:
• عدم تربية الطفل على احترام الآخرين، ومحاولة مساعدته بدلًا من السخرية منه، لينشأ تقارب بينهما، ومساعدة بعضهما البعض.
• الترفيه في كل شيء والسماح له بفعله دون الوقوف له ومعاقبتهِ على خطئه، وهو ما يجعله غير مبالٍ لما يقول ولا يعلم أنه قد أخطأ؛ لأنه لم يرَ أحدًا يستوقفه عند فعله.
• عدم تربية الطفل على أصوله الدينية الصحيحة، فأن الدين لا يسمح بالتطاول على الآخرين، واحترام حياة الآخر دون تدخل منه، وعدم السخرية مما هو فيه مُطلقًا، لقوله تعالى: «وقولوا للناسِ حسنا»، وقوله أيضًا: «يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قومٌ من قومٍ عسى أن يكونوا خيرًا منهم ولا نساءٌ من نساءٍ عسى أن يكنَّ خيرًا منهنَّ ولا تلمزوا أنفسكم…».

• عدم معرفة الطفل أن ما لديه، ليس بشرطٍ أن يكون لغيره، وأن عقله وتفكيره يختلف تمامًا عن غيره، فإذا امتلك الأبوين نعمة المال وقررا أن يُساعدوا ابنهم مهما احتاج من رفع مستواه وتطوير نفسه، فليعلم أن غيره قد لا يمتلك المال ليجعله بنفس القدر في التعليم، أو العمل، أو الفكر، نعمة الأهل ومُساندتهم أحيانًا، قد لا يهتم غيرهم بالتعليم ولا بأي شيء يخص ابنائهم فلا يكترثوا لحالهِ أمرًا…
ليعلم الطفل أن كل ما معه، ليس بضروري أن يكون لدى غيره، كلٌ منا نختلف في الأرزاق والنعم اختلافًا نسبيًا يجعلُنا نقوم ببعضنا البعض، ونساعد بعضنا البعض، اختلافًا يحتاج لي ويحتاج لغيري.

ولكن ما ردُ فعل الطرف الآخر!، الشخص الذي وقع عليه التنمر!
حاولت أن أذكر حلولًا لهذه المسألة ولكن فشلت، ماذا يفعل وهو المُرتمى بسهامِ الإساءة والسُخرية التي تصيب روحه بالحزن والكسر.

ولكن قد وصلت إلى شيء راقٍ وعالٍ، ألا وهو الصمت.
الصمت، وأخذ كل هوادم الكَلِم بناءً جديدًا يستند عليه فيقوم، يأخذ كلامه دافعًا قويًا لنفسه، لقلبه، لفكره، لاجتهاده، لتقوية نقاط الضعف الظاهرة أمام غيره، هل هذا سيخفف حزنه!، لا والله، وإنما سيساعدهُ، سيساعدهُ أكثر من الذي يحاول السخرية والتنمر عليه، فيجعل من كلامه محركًا خاصًا لنفسه، وللوقوف كلما وقع، والرد عليه بنجاحاته، وقوة فكره، وعزة صمته وما وراءه من محاولات عدة للنجاح…
وليكن هذا قويًا وإن كان غير عادلٍ.

فواللهِ، لو زرع كل رب منزل فكرة احترام وتقدير الغير وعدم إمساس ما يحزنه بسوءٍ وسخرية، وتربية الأطفال تربية إسلامية راشدة عقلانية، لزال التنمر بينهم، ولأصبحت المحبة والتعاون والمُساندة هي الأعم والأشمل والأهم في مجتمعٍ قادر على بناء نفسه وغيره في سلام.

لأقفل دفتري وأخلد للنوم، وأكتفي بهذا القدر من تحضيري لهذا الدَرس، وأبدأ مشوار دراستي التي قد عهدت ورأيت فيه الكثير من جديد، وهو ما كان سببًا لأصل إلى هنا، وأعالج كل هذه السلبيات المُتعرضة إليها، والمُعترض غيري إليها، وابني في قلوبهم الحب والرُقي والنفس السوية، في جيلٍ قد كُثر فيه الأزمات وانعدام الأخلاق.

هكذا تكون حياة المُعلم، ويا ليت لو كان كل شخصٍ في حياتنا مُعلمًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed
error: Content is protected !!