قصص

رحلة كفاح

الشيماء أحمد.

وجدتُ صندوقًا كبيرًا في غرفة والدتي فسألتها: ما هذا يا أمي؟ قالت صندوق جدتك، فذهبت إلى جدتي وقلت: ماذا يوجد داخل الصندوق فضحكت حتی دمعت عيناها: إنها قصاصات جدك.
فتحمستُ كثيرًا: حقًا جدتي؟! هيا لنقرأها.

فتحت أول ورقة مكتوب عليها من الخارج “حب طفولتي”، بدأت أقرأ ما بداخلها على مساكع جدتي وكلما زدت في القراءة زادت بسمتها وتوقفتُ عند السطر الأخير وكررته وإذا به: حُب طفولتي أُهديك قلبي أمانة وأعلم أنكِ ستصونين الأمانة.

ثم فتحتُ الورقة الثانية كُتب عليها من الخارج رحلة كفاح معك، وبدأت أقرأها وعند السطر الثامن دمعت عين جدتي، وهذا السطر هو رِحلتي معكِ كأنها كانت رحلة إلی الجنة؛ لأنك جنتي علی الأرض، ثم فتحت الورقة الثالثة عليها من الخارج كتبت عبارة “لحظات لا تُنسی معكِ”، بدأت في قراءتها، وسمعت صوت ضحك جدتي يعلو في الغرفة عند وصولي للسطر الخامس عند جملة: أتذكرين صفعكِ لي حينما قلت لكِ أحبكِ أول مرة؟

ثم فتحت الورقة الرابعة عليها من الخارج دمعتي معكِ، وبدأت في قراءتها بتلهف، وعند وصولي للفقرة الثانية بكت جدتي بكاءً شديدًا، وهذا السطر هو كُنت أبحثُ عن عمل؛ لأشتري لك هدية مولدك؛ لأنني وقتها كنت عاطلًا عن العمل، وكان موعد مولدك قد اقترب، فقررت أن أعمل ليوم أو يومين حتی أُحضر الهدية فلم أجد عملًا، ودخلت المنزل فارغ اليدين دمعتي في مقلتي، حتی وجدتُكِ في أبهی طلتكِ، ترتدين الفستان الفضي اللامع، ومعك شيء تخفيه خلفكِ، ثم اقتربتِ مني وقلتِ: هذه رحلة لبيت الله الحرام، زوجي العزيز لقد كنت أدخر من مصروفنا دائمًا لأفاجئك بها يوم مولدي، حينها سقطت دمعة فرح علی خدي ولا أعلم ماذا أقول! كنت حزينًا؛ لأنني لم أجلب لك العمرتين بنفسي دموعي وفرحي كانت معكِ.

ثم فتحت الورقة الخامسة وكانت الأخيرة وطبع عليها لحظات وداع، كنت أخشی قراءتها خوفًا علی جدتي وتصنعت بأني ذاهبة لأمي، أمسكت جدتي يدي وقالت: هيا حفيدتي اقرأيها كاملة، بدأت في قراءتها بخوف، ووصلت للفقرة الأخيرة، ووجدتُ جدتي أمسكت صورة لجدي وقامت باحتضانها.

وكانت الفقرة الأخيرة: عزيزتي أمضيتُ معكِ وقتًا ليس بالكثير، ولكن مع كل سقوط كنتِ سندًا، ومع كل تنهيدة كنتِ دواءً، أعلم بأنني أزعجتك حينما حاولت أن أجهز لك الفطور، وتسببتُ في حريق هائل بالمطبخ ابتسمي عزيزتي، كنتِ أمًّا صالحةً لابنتنا الوحيدة «خديجة»، كنت دائمًا تقولين لي: الحلال يا أبا خديجة، وكنت أتقي الله فيكِ، أكتب لكِ من داخل أعماق قلبي، أنكِ أمي التي لم أرَاها، وأنتِ أبي في حنانه، وزوجتي في أبهی طلتها، وأم ابنتي خديجة

لا تدمعي لفراقي حاولي التماسك لأجل خديجة، وتذكري كوب العصير الذي سكبته عليَّ يوم خطبتنا وكيف كنت أشبه الأبله، تذكري دعسك علی قدمي في أولی رقصاتنا يوم زفافنا، وفي أولی الليالي لنا كنت أضع قدمي بالماء من كثرة تورمها منكِ، تذكري حملك في خديجة حينما قلت لكِ أصبحتِ سمينة للغاية، وكنتِ تضحكين، تذكري حينما كنتِ تودين ركوب السيارة خاصتي وتتعلمين القيادة وكنا حقًا سنلقی حتفنا في أقرب مصرف صحي، تذكري حينما كُنا نقيم الليل سويًا ونتضرع للخالق سويًا، تذكريني يا أم خديجة من “زوجك المخلص”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed
error: Content is protected !!