قصص

طبيعة بشر

ابتهال أشرف محمود

طرقاتٌ متتابعة أتبعه دخول فتاة في العقد الثالث من العمر، تمتاز ببشرة بيضاء ناصعة مُشربة بحُمرة خفيفة على وجنتيها زادتها جمالًا، دلفت إلى تلك الحجرة الخاصة بالمدرسين المتقدمين للتدريس في إحدى مدارس اللغات، تقول مُعرفة بنفسها: حللتم أهلًا جميعًا، أنا نوال جمال مُشرفة قسم العلوم وسأكون المسؤولة هنا على قبولكم، كل مُدرس منكم سيأخذ فصلين من الرابع الابتدائي حتى الثالث الإعدادي، وسيتم تقييمه؛ ليتم تدريس الطلاب على أعلى مستوى، المَدرسة هنا لها سمعتها، هل لدى أحدكم سؤالًا قبل البدء؟
هزَّ الجميع رأسه نفيًا، كانت ستتابع كلامها إلا أنها رأت فتاة سوداء البشرة ترتب أوراقها، فقالت متعجبة: عفوًا منكِ ماذا تفعلين هنا؟
رفعت رنا نظرها إليها قائلة بتوتر: أنا هنا للتقديم في الوظيفة التي تم الإعلان عنها
نوال وهي تنظر لها متفحصة وجهها الأسود المُختلف عنهم قائلة بضجر: هؤلاء الأغبياء الذين وضعوا الإعلان نسوا التنبيه على شرط مهم،
رنا والخوف يتسرب إلى قلبها: أنا معي كافة المؤهلات المطلوبة وهذا ملف السيرة الذاتية الخاص بي، قالتها وهي تمد يدها إليها بالملف
أخذته منها بازدراء وهي تتفحصه بعينها سريعًا قائلة: مؤهلاتك عالية ومطلوبة ثم تابعت ساخرة وهي تنظر لها: المشكلة أن لونك قد يخيف الأولاد، قالتها دون العبء بمشاعر الفتاة التي تقف أمامها أو أنها تحرجها أمام زملائها في العمل، ارتفعت ضحكات وهمهمات خفيفة جعلت دموع رنا أقرب إلى النزول لكنها تماسكت قائلة: أواثقة أنك مُدرسة؟ إن كنت كذلك فأي ثقافة وعلم ذاك الذي تُعلمينه! عارٌ عليكِ، قالت الجملة الأخيرة وهي تجذب ملفها من يدها بقوة وتخرج سريعًا ودموعها تسابقها في النزول.
وصلت إلى بيتها شاردة وقبل أن تدير المفتاح في الباب تأكدت أنها جففت دموعها جيدًا.

في غرفتها…
رنا وهي تُهاتف صديقتها أميرة لتقص عليها أطلقت تنهيدة أخيرة قائلة: هذا ما حدث
أميرة وهي تصرخ: تلك المتحذلقة ال..
قاطعتها رنا قائلة: لن تستفيدي شيء من صراخك هذا
أميرة وهي تهدأ قليلًا: لكن ردك عليها كان صحيحًا، كيف تسمِي نفسها مشرفة ألديها علم بالعلوم وهي أصلًا لا تعرف أولى قواعد الإنسانية؟ أيُعير المرء لشكله؟ ما هذه العنصرية؟
رنا بحزن: التنمر على خلق الله وإخراج أي عيب فيهم أصبح شائعًا يا أميرة، أتعلمين أثناء عودتي كان هناك طفلة جميلة الملامح تشير بإصبعها عليَ قائلة لوالدتها: لِمَ تلك الفتاة سوداء أمي؟ لِمَ هي ليست مثلنا؟ لِمَ هي مختلفة عنَا وبشرتها ليست ببيضاء؟
أميرة بدموع: رنا أنا.. قاطعها صوت بكاء صديقتها رنا وهي تقول: لقد سئمت يا أميرة، كرهتُ أن أنظر لنفسي في المرآة، كرهتُ خلقتي السوداء.
أميرة: رنا لا تقولي كذلك، ذاك السواد في العين حبيبتي لو صار أبيض لأصابنا العمى، الاختلاف مطلوب بيننا و..
لم تكد تكمل كلامها حتى قاطعتها رنا قائلة بغضب: تقولين ذلك لأنك لم تعيشي ما عشته، لم يعيرك أحدهم يومًا لسواد بشرتك فأنتِ بيضاء جميلة الملامح شعرك ناعم، أما أنا فالكل يخجل من مصاحبتي وأن أسير بجوارهم
أميرة: الأمر ليس كذلك، أنت فقط غاضبة الآن، ثمَ من هذا الذي يخجل من مصاحبتك ألستُ صديقتك؟
رنا بحدة: الوحيدة أميرة، من طفولتي وزملائنا في الصف يكرهونني ولا يودون صداقتي لأني لست جميلة
أميرة: رنا، الجمال لم يكن يومًا في الظاهر، الجمال دومًا في القلب والروح وأنتِ أجمل صديقة صاحبتها يومًا
رنا بألم: لكن ذاك ليس رأي الناس، الجميع يراني مختلفة عنهم ويؤذونني بقولهم، لم أعد قادرة أميرة أعتذر، وأغلقت الخط.

ظلت تنظر للشاشة بعد أن أغلقت الاتصال من أميرة، صديقتها الوفية، لم تتركها منذ الطفولة، كانتا مختلفتين تمامًا إلا أنهما ظلا معًا والآن هي خسرتها، عندما وصلت بتفكيرها عند تلك النقطة بكت، بكت كما لم تبكِ قبلًا، دخلت عليها والدتها لتخبرها بالقدوم لتناول الغداء، تعجبت الأم لرؤية ابنتها والحزن يغيم ملامحها، فور أن رأتها رنا ارتمت بين ذراعيها قائلة ببكاء: أنا قبيحة جدًا يا أمي
الأم بهلع: لا تقولي هذا عزيزتي ستجعلينني أبكي
رنا ببكاء يقطع نياط القلوب: هل هذا ذنبي؟ هل كوني خُلِقتُ سوداء اللون ذنبي؟
الأم بحزم وهي تمسح دموع ابنتها: الأبيض والأسود مختلفين ولكنهما وجهين لعملة واحدة وهي الإنسان، والآن أخبريني ماذا حدث دون التغافل عن حرف واحد
قصت عليها رنا ما حدث طوال اليوم من تقدمها إلى الوظيفة وأن المسؤولة رفضتها؛ لأنها مختلفة عن كل المدرسين أصحاب البشرة البيضاء وكذا أنها خسرت أميرة صديقتها التي بالرغم أنها أجمل في الشكل منها تراها دومًا أنها الأجمل.
ربتت الأم على يدها قائلة: رنا حبيبتي، الاختلاف بين البشر مطلوب، وهو من السنن الكونية، خلقنا الله بدرجات ألوان مختلفة لنختلف، التفاضل الوحيد هو التقوى؛ كما قال ربك في كتابه: { إن أكرمكم عند الله أتقاكم} لا تنظري لنفسك أبدًا أنكِ لستِ جميلة،على الأقل أنتِ تعقلين ووهبك الله عقلًا؛ لتعلمي أن هذه خلقة الله وأنه صورنا سبحانه في أحسن صورة.
رنا والبسمة تشق طريقها لوجهها: معك حق أمِي، ثم أكملت بحزن دفين: أنا على ثقة من هذا لكن الناس.. قاطعتها الأم قائلة: الناس سيعيبوا أي شخص الأبيض والأسود والطويل والقصير ابحثي عن رضا الله فقط
رنا وهي تقبل يدها: سأحاول التغاضي عن كلامهم أعدك، توقفت قليلًا ثم قالت: وأميرة أمِي لقد أخطأت في حقها
الأم بإبتسامة: أنا على ثقة أنها الآن تنتظر بفارغ الصبر أن تتصل بكِ
لم تكد الأم تكمل الجملة حتى رن هاتف رنا برقم أميرة.

افتحوا النوافذ لعل هواء الفكر الراكد يتجدد، بنظرتك السطحية للإنسان الأسود والأبيض والأحمر والأصفر أنت تعيب في خلقة الله فمن أنت أيها الإنسان الضعيف لتفعل؟ تعيب هذا لأن بشرته سوداء وتذم هذا لكبر أنفه والعيب فيك! أي تطاول على خلق الله هذا! خذ بعض التراب وامزجه بالطين أريني كيف ستخلق؟ أخبرني ماذا سيعود عليك إن ألقيت ألفاظًا وقعها على النفس مؤلم، أهكذا ستكون مُرتاحًا وأنت تؤذي غيرك، ولعلك تحفر في قلبه عقدة, لو لم نكن مختلفين لونًا وعرقًا وشكلًا وطباعًا وتفكيرًا لما تعددت وجهات النظر ولرأينا الصورة بزاوية واحدة ولأخذناها بنفس الزاوية كل مرة مع أنه هناك زاوية أخرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed
error: Content is protected !!