خواطر

روح بلا جسد

مريم رجب

أقف أتأمل جسدي الصغير النائم أمامي، والأجهزة المتصلة به أعلنت عجزها عن إبقاء الحياة فيه، والطبيب يعلن أنه قد انقضى الأمر، وقد فارقت الحالة الحياة.
وأنا أقف على رأس هؤلاء وأتأمل، لا يعنيني حزنهم، ولا أبحث اليوم في مدى صدقه، أرى دموعًا لم أرها يومًا، ولن ألتفت لها الآن، كيف لي أن أرى الجسد الذي سكنته سنوات طوال؟ هذا الجسد الذي لم أشعر بالحزن عليه! عشت حياتي أحزن لفراق الأحبة، ولم أحزن لفراق الرفيق، فقط أشفق عليه، أعلم أن الجسد عمره أقصر من الروح، ويبلى سريعًا، أما أنا فلم تكن تلك ميتتي الأولي؛ فقد مِت قبل ذلك مرارًا.

مِت قبل ذلك في خذلان ما، في مشاعر انطفأت، في حلم لم أنله، في غدر عابر، مِت في عمر مضى كأنه لحظة ميتات كثيرة أبشع من هذه، فقد كنت أنا التي تموت بينما ذلك الجسد الفاني كان يتحرك، فيخيل لهم أني على قيد الحياة، حتى وإن كانت الحياة وئُدت في، ولكن من يهتم؟ فأنت حي، تأكل وتشرب وتتحرك، وإن كان حزنك لا يرى فإنه لك، حتى وإن ظهر فإنه أيضًا لك، لن يحمل معك وعاء الحزن أحدٌ ولا من أحد طرفيه، ستحمله وحدك، وتمضي بدربك وحيدًا.

مسكين هذا الجسد الذي يرقد بلا حراك؛ فقد عانى معي كثيرًا، كنت أحزن فيمرض هو، كنت أرغب فيشقى هو، لقد هلكنا سويًّا وأفرطت في الحزن حتى توغل فيه وفارقني، هل عليّ أن أحزن الآن، وأنا على علم بأن الحزن قد انتهى كما انتهى كل شيء، وأن عليّ الصعود لبارئي؟ لقد اقترن وجودي بوجوده، وسيقترن رحيله برحيلي، عليّ الذهاب إذًا، في كل فقد كنت أظن أن الحياة ستقف عند تلك اللحظة، ولكن هذه المرة الأولى التي يغير فيها الفقد وتقف عندها الحياة.

ماذا عساي أن أقدم له الآن إلا الندم؟ وإن كان الندم لن يجدي نفعًا الآن، ولكنه سيئول للحظات التي كنت بها لا أرى إلا النصف الفارغ من الإناء، ليتني أستطيع أن أعود به لنحيا سويًا عمري المهدر في الحزن!
فانظر إلى النصف الممتلئ من الإناء، ورفقًا بقلبك، وتذكر يا عزيزي أنه لن يحمل معك وعاء الحزن أحدٌ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed
error: Content is protected !!