مقالات

وشوش حلوة

✍دكتور/كرم علام

الفن تعبير جمالي عن الأفكار بأدوات تخاطب العقل والعاطفة والذوق؛ فتضفي على الفكرة ألوان وظلال وأبعاد وتساعد على تجسيدها في الوجدان.

والفن وسيلة مهمّة في تكوين وعي الإنسان بالقضايا الكبرى، وجعله أكثر رقيًا، فالحيوانات لا تعرف الفنون والآداب، لذلك انفرد الإنسان دون بقية الكائنات بتكوين حضارة امتدت الآف السنين وانتقلت من جيل إلى جيل.

والقيم الإنسانية تترجم نفسها من خلال أدوات الفنانين والأدباء، وتعمل علي تصحيح انحرافاتها كلما نضجت إنسانية البشر.

الإنسان الذي يعاني من اختلاف في شكل الوجه نتيجة تشوه خلقي أو حادث عرضي كالحرق والورم والإصابات وأمراض الجلد وغيرها، ارتبط تشوه ملامحه الظاهرة لفترة طويلة في أذهان الناس وأدبياتهم بتشوه باطني وميل للشر.

وربطت بعض الفلسفات بين جمال الظاهر وجمال الباطن ورسخ الأدب الشعبي وقصص الأطفال وأفلام ديزني هذه الأفكار بالمبالغة في وصف الملامح الجميلة المتناسقة للأمير الطيب والأميرة الوديعة، وتصوير الشرير بمقاييس تشريحية مختلفة عن الطبيعي بتكبير الأنف أو الأذن أو غيرها من التغيرات الشكلية ورسم صورة الشرير دائمًا لما في وجهه من نزول وتشوهات.

فترسخ في وعي الأجيال ارتباط شرطي بين تشوه الشكل والشر، وهو ما يفتقد إلى الصواب بشكل كبير فالإنسان الذي ولد بعيب خلقي في الوجه أو اصيب بحادث غير من ملامحه الشكلية ليس بالضرورة صاحب روح شريرة.

لذلك بدأ الغرب في إصلاح هذه المفاهيم المغلوطة، وما تركته في المجتمعات من تأثيرات سلبية بنفس الأدوات التي رسخت هذه الأفكار وهي الأدب والفن.

فبدأت توجهات أدبية وفنية تكتب القصص، وتقدم الأغنيات والأفلام ولعب الأطفال، والتصوير والتعبير بالرسم عن صور الجمال في الوجوه المختلفة، وتجسيد القصص النبيلة لأصحاب هذه الاختلافات أو التشوهات، ومناهضة التنمر ضد المختلفين والتمييز ضدهم في فرص الحياة والعمل والدراسة.

من هذا المنطلق واقتداء بتجارب متعددة ومتوسعة بشكل مستمر في الغرب بدأت مبادرة “متخبيش وشك” لدعم الأطفال ذوي الاختلافات التكوينية في الوجه والرأس وكل إنسان يعاني من اختلاف شكل الوجه لأي سبب.

وهي مبادرة مصرية أصبح لها امتداد عربي بدأت في طرق أبواب الفن والأدب، كوسائل لتغيير نظرة المجتمع المختلفين شكليًا.

ومن هذه الأنشطة “وشوش حلوة” الحدث الذي سيقام بشكل افتراضي على الفيسبوك من خلال صفحة المبادرة يوم الجمعة ٢٩ أكتوبر.

ويجري تقديم المساهمات فيه من الآن وحتى اليوم المذكور لكل صاحب موهبة فنية لديه الرغبة في التعبير بها عن جمال الاختلاف وحق المختلفين شكليًا في حياة طبيعية مكتملة الفرص خالية من التنمر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed
error: Content is protected !!