خواطر

ما بعد الثلاثين

✍️هاجر متولي

نحن كأقلام التلوين، نتغير مع الأيام، ولكن نضيف لطباعنا شكلًا أفضل مع الأيام، هناك ما يجعلنا أكثر بهجة، وهناك ما يجعلنا أكثر وقارًا، وهناك ما يجعلنا أكثر جنونًا وحياة كما الألوان.

ذلك الأيام التي نعيشها تشكل فارقًا كبيرًا في تحديد السمات والطباع… أعمارنا لم تمر هباءً.

ما نكون عليه ونحن صغار يُشكل جزءًا كبيرًا من شخصيتنا نحن، لا ندري ذلك، شكل تمردنا، وأسباب ثورتنا، وما نميل له… تلك الأمور جميعها تخبرنا من نحن وما سنكون عليه حين يأخذنا الزمن إلى أيام أخرى.

وتتلاشى طفولتنا شيئًا فشيئًا مع الأيام، وتبدأ ملامح شخصيتنا تتبلور، ويحدث أضطرابٌ لنا بين حاجتنا لطفولتنا، وحاجتنا للاتزان وإثبات الكيان، ويظل هذا الصراع قائمٌ فينا لسنوات، نهرب للطفولة من قوة الحياة، ونتلذذ بقدرتنا على خلع ثوب الطفولة في بعض القرارات والصدمات.‏

إننا نتغير باستمرار.. أنتَ اليوم لستَ نفسك قبل أربعة أعوام، إن مفهومي عن أنفسنا هو كمزاجياتنا، تتغير من لحظة لأخرى، هناك ما يجبرك على التغير بشكل جذري، وهناك ما يجعلك لا تحرك ساكنًا رغم صعوبته، وستندهش أنت أيضًا بذلك.

أما في مرحلة عمرية ما ستدرك أن كل المحن التي مررت بها قد جاءتك لسببٍ ما، وأنها استوقفتك بقوة لتغير فيك ما يجب أن يتغير، وتزيل منك ما لم يكن لك من الأساس.

ما بعد الثلاثين، مرحلة عمرية تكشف لك عن الكثير من الأشياء، تكشف عن دواخلك أنت، التي لم ترَها، تخبرك بأنك تستطيع أن تفعل ما كنت ترى نفسك عاجزًا أمامه، وتعلمك أنه لا يجب أن تلتفت إلى أنصاف الأشياء والأشخاص.

ما بعد الثلاثين تستحوذ عليك رغبة ملحة في الاستقرار، وفي إنهاء ما يعرقل حركة سيرك للأمام مهما كان، وستجيد حينها التعامل بشكل يناسب طبيعة من أمامك مهما كان.

ما بعد الثلاثين، تجد ذاتك كمكتبة بها كل أصناف الفكر والجنون والدلال، ولكنك تعي جيدًا كيف تخرج منها ما تحتاجه، وبأي صورة وقدر، وتعي متى عليك أن تكون ببراءة الأطفال، وبوقار الحكماء.

ما بعد الثلاثين مرحلة عمرية أستثنائية، نخرج منها الطفولة التي مازالت بداخلنا بقدر حاجتنا لها، ونعطي فيها لأنفسنا مساحة حرية لنكون كيفما نشاء، وقتما نشاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed
error: Content is protected !!