ابداعات

أبي الذي أكره

هاجر متولي

منذ الصغر وأنا أود أن يعاملني أبي بطريقة غير تلك التي يتعمدها معي، كنتُ أهابه كما لو أنني أرتكب خطأً ما، وبالرغم من حنان أبي إلا أنَّ رفضه لي كان يجعلني أتسائل من حينٍ لآخر، لمَ يعاملني كذلك؟

وتمر الأعوام وأنا أحاول أن أجد طريقًا بيني وبينه للوصال، كنتُ أبحث عما يألفه لأتقرب له، ويجعلني أقترب منه، ولكنه لم يكن لي يومًا من الأيام كما وودتُ أن أراه.

حتى جاء اليوم الذي واجهته فيه، حينها لم أكن أتجاوز الثانية عشرة، وقفتُ أمامه وجبيني يتبلل بالماء، ولكني اليوم أعلنتُ له أني أيضًا أكنُّ له ما يكنهُ لي من كراهية وبغضاء.

في تلك اللحظة أخبرته أني أود الحديث معه، وكان منشغلًا بتقطيع بعض حبات الخضار، وكطبيعته لا يأبه لما أقول، يستمع ولا يبالي بأي حديث، ولكنه اليوم قد تغير.

تحجرت الدموع بعين أبي، وأنا من تسببتُ بذلك، رغم مرارة ما كنت أشعر به من تعاملاته، إلا أن نظرته أوجعتني، وسلبت مني جزء من قلبي أيامًا طوال.

وها قد عادت الأحداث تتوالى بداخلي كشريط سينما يقرب على النفاد، وتذكرت قولي لأبي يومًا: أريد أن تشتري لي قالب حلوى من أفخر المحلات، وكان جوابه ابتسامة وكلمات بسيطة ليس الآن، فانهمرت في البكاء، لما لم يعطِ لي حقًا بأبسط الأشياء!

وبعد أيام وربما أشهُر، جاء أبي مبتسمًا وهو يقول: لقد اشتريتُ لكم حلوى من أفخم المحلات، كان من ذاك المكان الذي وددتُ أن يصطحبني إليه، ولكنني حينها لم يعد يُشكل لي فارقًا مجيئه بالحلوى الآن.

تذكرت كيف كان يعقب بكلمات لا مبالية عن نجاحي وكأنه شيء محتوم وهو يقول: ما يجعل غيرك يجتاز الامتحان حتمًا يجعلكِ تجتازيه بلا مجال.

وأنا أستشيط غيظًا، كل محاولاتي تَبيتُ شيئًا عاديًا، لا أهمية له، فلمٕ عليّ أن أفعل المزيد لأنال الإعجاب؟

حينها لم أكن أعلم أن أبي كان يغرس بي شيئًا ما، جعلني أجتاز الكثير من الصعاب بهذا الأساس، لأن غيري فعل ونجح، فلمَ أنا لا أستطيع ذلك؟

وها قد عادت أولى كلمات أبي لي بعد نظرة قد طالت: لم يكن صارمًا تلك المرة، ولم يكن غير مبالٍ كما اعتاد، ولكنه -ولأول مرة- قد خلع من عليه وجه القوة ذلك الذي يتعمده، ونظر لي -ولأول مرة- بنظرة ضعف لا تغيب عن الذاكرة وقال: فعلت، لأني أحبك، ووحدها الأيام ستتكفل بشرح ذلك، وانصرف من أمامي.

لم يحالفني النوم تلك الليلة، كادت دموعي أن تجف ولا أستطيع أن أخبره كم أحبه، تلك الوراثة اللعينة أود ولا أفعل، أخذتها عن أبي، رغم وجع قلبي لم أفعل.

وتمر الأيام والسنوات، ولم يغير أبي ما يفعل، وما تغير في ذلك الحين هو رؤيتي لما يفعل، كنتُ أبحث عن شيء لا يسرده أبي، ومع الأيام كدتُ أفهم، أن بعض ما يُخفى عنا كان حبًا لنا، أو حياءً منا.

وبمرور الأيام أيقنتُ أن أبي لم يكن أبًا قاسيًا كما كنتُ أراه، فمن علمني أن الحياة يلزمها قوة لصدها، ومن علمني أن الحق يُنجي ولو بعد حين، ومن بيده أغرس بذور الطهارة والنقاء فينا بكل جميل، لم يكن أبًا سيئًا، السيء وحده هو من يعلم أنه مسيء ولم يرغب يومًا أن يتغير.

وأصبح أبي نبراسًا لكل جميل بي، وأيقنتُ مع الأيام أن أفعاله ما كانت إلا لزرع بذور الأخلاق بي، وأن الأيام وحدها ستتكلف بشرح ذلك لي.

وعندما تتساقط دموعي شوقًا له، أخبرني أن الأيام قد بلغتني برسالته كما أخبرني.. لم أعِ أن حذاء أبي وحده ما كان يشعرني بالأمان، ولم أعلم أن فضل أبي يملأ كياني، فلولا تربيته الحادة لكنتُ كما النساء اللاتي تكن الآن، ولم أعلم أن خوف أبي عليّ كان بهذا الحد إلا بعد رؤيتي دموعه تتساقط في زفاف ابنته، وكأنه يشعر بأنه فقد جزء منه، رغم أنها مازالت بين يديه حتى الآن.
“الآباء عماد البيت كما الأمهات”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed
error: Content is protected !!