مقالات

حقيبة سفر…

كتبت: عنان فايد

الغربة: الشعور المؤلم الأول الذى يصيب المرء عندما ينتقل من مكان اعتاد عليه لسنوات طويلة إلى مكان جديد لن يتأقلم عليه بسهولة، شعور أشبه بنقلان نبتة مترعرعة في ربيع نموها مزهرة من شتلتها التي أزهرت فيها إلى مكان لا يناسب بيئتها لا يصل له شمس أو ماء..
وقد يصل أيضًا إلي أن تعيش مع من ينتسبون إليك ولكنك تشعر بأنك غريب بينهم.

في التاسع من تشرين الأول 1980م
في الصباح الباكر السماء ممتلئة بالغيوم الكثيفة، تكاد أن تمطر. الطريق يطول لا يقصر ويرهق أكثر، لا أعلم إن كان هذا لأني أول مرة أسير فيه أم أن حقيبة السفر الخاصة بي تعيق حركتي، ولكني كدتُ أصل إلى محطة القطار، لتبدأ غربة طالما تمنيتها، وتمنيت ألا تأتي في ذات الوقت.


معذرة، هذا مقعدي رقم 77 ما اسمك؟
التفت إلى شاب تخطى الثلاثين من عمره تقريبًا، كان يجلس في المقعد الخاص بي، كان شعره أسود غجري قليلًا, وعيناه عسليتان تجعلها أشعة الشمس تنير خلف نظراته الطبية التى يرتديها.
_عذرًا!، وما علاقة اسمي بالمقعد؟
كي أرى إن كان اسمك على المقعد فهو لكِ، وإن لم يكن، فعليكِ الجلوس في أي مكان أخر هناك.
تزمرت بشده وكدتُ أفقد أعصابي، من ذلك المتعجرف ولكن ليس هناك وقت سألقنه درسًا في المرة القادمة ليس الآن، لأني متوترة بشأن أول يوم أغترب فيه عن بيتي وعائلتي، ولا أعلم إن كنت سأعود مجددًا أم لا.

استغرق سفري في القطار يومان بليلة واحدة، تشرق الشمس وتغيب ويأتي الليل، وأنا أنظر من النافذة والدموع تملأ عيني، ولكن كل هذا تلاشي عندما لمست أقدامي و حقيبة السفر بجانبي أرض “بريطانيا”.

جامعة أوكسفورد في بريطانيا التى تأسست في عام 1167 ميلاديًا، واحده من أعظم جامعات العالم، التي أنشأت عندما أمر الملك هنري الثاني بمنع الطلاب الإنجليز من السفر إلي فرنسا للدراسة في جامعة باريس وتحويلهم للدراسة في أوكسفورد بدلًا منها.

والتى حاربت الجميع وخاصةً عائلتي لأجل الهجرة و الدراسة إليها.

في البلاد الفقيرة والقري لا يعترفن بتعليم الفتيات، فكم استغرقت من ألم ومجهود لأصل إلى هنا، إلى أمر يظنه جميع أهل بلدتي أنه مستحيل، لم أحصل على الموافقة كاملةً، بل قال أبي: من تخرج خارج بلدتها في قاموس قريتنا فهي “عاهرة” فأن ذهبتي فأنتِ مثلهن, سقطت دموعي، ولكني اعتبرت نهيره هذا موافقة، ووعيد أمام نفسي أن أعود بتحقيق ذاتي لأثبت للجميع أن تفكيرهم هو العاهر والعقم الذى لن تشفي منه قريتنا أبدًا .
تبكين لأني أخذت مقعدك طيلة الرحلة! قالها بضحكات عالية متتالية، وأنا أنظر له نظرات استحكار، لا تنظري لي هكذا, كنت متوتر قليلًا، لم أقصد مضايقتك، سأساعدك في نقل أغراضك، كاعتذار.

بعد خمس سنوات وفي نفس اليوم
التاسع عشر من تشرين
أغلق ملازمي أمام طلابي معلقة انتهت محاضرة اليوم، ثم فتحت دفتري الخاص وكتبت بخط يدي بلغه قريتنا

“As long as there are minds who demand education, there will be no intellectual retardation again in our village, I miss everyone, but I will not come back again.”

“مادام هناك عقول تطالب بالتعليم, فلن يكون هناك تأخر فكري مرة أخري في قريتنا، اشتقت إلي الجميع, ولكني لن أعود مجددًا.

ثم أرفقت بها صورتي وأنا أرتدي ملابس التدريس وسط طلابي و أرسلتها مع تحياتي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed
error: Content is protected !!